في اليوم العالمي لحرية الصحافة: بين الاحتفاء الرسمي وتهميش الصحافة المهنية

بقلم محمد السعيد مازغ

الانتفاضة 

             يُخلّد المغرب، إلى جانب باقي دول العالم، اليوم العالمي لحرية الصحافة في 5 ماي من كل عام، غير أن هذا الاحتفاء، بدل أن يكون لحظة لتقييم المسار الإعلامي وتعزيز مكانة الصحافيين المهنيين، تحوّل إلى مناسبة تُعرّي مفارقات صارخة بين مجموعة من الخطابات والممارسات الواقعية، وبين الشعارات المرفوعة والواقع المُر الذي تعيشه مهنة المتاعب.                                                                   ففي الوقت الذي يُفترض فيه تكريم الأقلام الجادة، وتقدير تضحيات الصحافيين الذين يشتغلون بمهنية ومسؤولية لخدمة الوطن وتنوير الرأي العام، يُقصى هؤلاء من التغطيات واللقاءات الرسمية. فلا تصلهم الأخبار إلا بعد تداولها من طرف “المقرّبين”، أو ممن نالوا “رضا” بعض الجهات، بينما تُوجَّه الدعوات وكأنها ـ صكوك غفران ـ بشكل حصري إلى صفحات فيسبوكية ومنصات تفتقر إلى أبسط المعايير القانونية والمهنية.                                                                       لقد أصبح حضور منابر غير معترف بها ظاهرة مقلقة، شرعنتها بعض الجهات الرسمية ومنحتها الأفضلية، في سلوك لا يُسيء فقط إلى صورة الإعلام، بل يضرب مبدأ تكافؤ الفرص في العمق، ويُكرّس فوضى إعلامية تُغذّي الشائعات والسطحية. والمفارقة أن بعض هذه الصفحات موضوع شكايات قضائية أو قرارات بالحجب، ومع ذلك تظل مدعومة ومكرّمة، ” كرمآّ حاتمِياً “، يُفضي إلى سفريات مدفوعة، وخرفان العيد، وقفف رمضانية، وغيرها من الامتيازات الملغومة … وطبعاً كل ذلك على حساب الصحافة الحقيقية، الملتزمة بأخلاقيات المهنة، والفاعلة بضمير حي.

وفي ظل هذا المشهد المرتبك، يعيش الصحافي المهني حالة من الإقصاء الممنهج، رغم إسهامه الفعلي في معالجة قضايا استراتيجية بأسلوب رصين وواعٍ. وما زاد الوضع سوءًا هو اختزال مفهوم الصحافة اليوم في ما بات يُعرف بـ”صحافة الهاتف المحمول”، حيث يكفي أن يلتقط أحدهم مشهداً عشوائيًا، أو يبث مقطعًا مباشراً، حتى يلقّب نفسه بـ”صحافي”، رغم تدني مستواه التعليمي، وافتقاره لأدنى شروط التحقق والتحليل المهني، أو لمقومات التنوير والتوجيه التي تشكّل جوهر العمل الصحفي.                                                                                               إنّ الاحتفاء الحقيقي بحرية الصحافة لا يُقاس بالشعارات الموسمية، بل بحجم الإصلاحات الفعلية التي تحمي الصحافي، وتصون كرامته، وتعيد الاعتبار لرسالته النبيلة. فمتى كان الصحافي الحقيقي مُصفّقًا، أو مُطبّلاً، أو عازفًا على نغمة السلطة؟ الصحافي، في جوهره، سلطة رقابية مستقلة، لا تابعة.                                                                                   فالصحافة ركيزة أساسية للديمقراطية، وصمام أمان لكل مشروع تنموي جاد. ولا سبيل للنهوض بها إلا بإعلاء القيم المهنية، وخلق بيئة قانونية وأخلاقية تضمن استقلاليتها، وتُحارب التزييف والانحطاط الذي يهدد مصداقيتها ومكانتها.

التعليقات مغلقة.