رصاصة الرحمة… عندما تتحوّل فوهة السلاح إلى صرخة مجتمع منهك من الإجرام

الانتفاضة // وهيب الغالي

في ظل تصاعد موجات الإجرام والعنف داخل أحياءنا، وفي قلب أزقة مدننا، لم تعد تدخلات الشرطة مجرّد عمليات أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى لحظات فارقة بين الرعب والأمان، بين حياة مواطن أعزل ومجرم يهدد بالسلاح الأبيض، وبين دولة تحاول إنقاذ ما تبقى من هيبتها وسط واقع يتآكل أخلاقيًا وأمنيًا.

حين يُشهر مجرم سيفًا وسط الشارع، أو يهدد مواطنًا طاعنًا في السن أو امرأة في طريقها إلى العمل، لا يبقى أمام رجل الأمن سوى لحظة حاسمة: إما أن يتدخل بقوة، أو يترك المواطن يواجه مصيره. وفي لحظة كهذه، لا تصبح الرصاصة مجرد طلقة، بل تتحول إلى ما يمكن تسميته مجازًا “رصاصة الرحمة”؛ لا رحمة في الموت، بل رحمة لمجتمع اختنق من الخوف، وطفح به الكيل من تكرار القصص ذاتها: اعتراض السبيل، ترويع السكان، وتهديد الأرواح بالسكاكين والسواطير.

لسنا دعاة عنف ولا مُحبّي دماء، ولكن إلى متى سنظل نستنكر استعمال الرصاص، في حين أن أرواح الأبرياء تُهدَر كل يوم على يد مجرمين بلا وازع؟ هؤلاء ليسوا ضحايا فقر فقط، بل ضحايا انعدام الضمير وغياب الوازع الأخلاقي، بعضهم يُحوّل الأحياء إلى ساحات حرب مصغرة، ويجعل من “الفتوّة” و”الترهيب” طريقًا لتحقيق الذات، على حساب الأمان الجماعي.

نعم، استعمال الرصاص إجراء استثنائي، لكنه في أحيان كثيرة بات الخيار الوحيد لردع منحرفين لا يتورعون عن طعن رجال الأمن أنفسهم، كما حدث في عدة مدن مغربية. فهل ننتظر أن تُزهق أرواح رجال الأمن حتى نبارك تدخلاتهم؟ أليس أولى بنا أن نقف خلف من يحمي الشارع والمواطن والسلم العام، بدل الاكتفاء بإدانة مشاهد إطلاق النار، دون فهم ظروفها وسياقاتها؟

الرصاصة التي تُطلق في وجه جانح مهووس بالعنف ليست احتفالًا بالموت، بل إعلانًا أن المجتمع قرر أن لا يظل ضحية، وأن هيبة الأمن لا يجب أن تبقى حبراً على ورق.

المطلوب اليوم ليس فقط تبرير استعمال القوة حين تفرضها الضرورة، بل فتح نقاش مجتمعي حقيقي حول أسباب تمدد العنف، وكيف نحصّن شبابنا من الانزلاق في هذا المستنقع. فالرصاصة تُنهي الخطر الآني، لكن الوقاية تبني مستقبلاً خاليًا من الرصاص.

التعليقات مغلقة.