تحدي الرمال: عبور المعلم إلى المجهول

محمد السعيد مازغ يكتب : تأملات وحكايات من الواقع في كل يوم حكاية

الإنتفاضة 

ما إن تسلم “إبراهيم” شهادة تخرجه من مدرسة المعلمين، حتى راح يحلم بفصل دراسي في أطراف مدينته، وبيت صغير يعود إليه كل مساء، تحت سقف الدفء العائلي. لكن القدر كان قد أعدّ له سيناريو مختلفًا… تعيين في قلب الصحراء، حيث لا شيء يلوح في الأفق سوى الرمل، والريح، والمجهول.

لم يكن مستعدًا لفراق البيت، ولا لوجبات يصنعها بيده، فقد عاش مدللًا، تتكفل أمه بتفاصيل يومه حتى آخر خيط من قمصانه. واليوم، يقف أمام حقيبة ثقيلة، فيها كل ما استطاع حمله… وأضعافها من التردد والخوف.

ركب الحافلة نحو الجنوب، وكل ميل يمرّ كان يسرق من قلبه جزءًا من الطمأنينة. الطريق طويل، والوجوه عابسة، والمقاعد الخشبية تعمّق الاغتراب. أكثر من مرة راوده صوت خفي: “ارجع… أكمل دراستك، ابحث عن وظيفة قريبة، لا تُخاطر”. لكنه كان هناك صوت آخر، ضعيف لكنه عنيد، يدعوه لاختبار نفسه.

وصل مع الغروب. كانت القرية أشبه بسراب، صامتة كأن الزمن نسيها. بحث عن مأوى فقادته قدماه إلى خيمة مضاءة بمصباح باهت. دخل، فوجد زملاءه، غرباء مثله، يسكن وجوههم التعب ويكسو عيونهم التوجّس. لم تكن الكلمات ضرورية، كان الصمت أفصح من أي شيء.  تناول كأس شاي الصحراء الذي قدم له كطقس ترحيب، سكب النادل الكؤوس بحركات واثقة، ثم فجّر اللحظة بأغنية قديمة من زمن لم يعشه أحدهم:

 “الغادي بعيد… وما بان ليك غير هو… أنا شحال عندي منه…. و ياك غير هو و جليتيه..”.

كأنها شقت أرواحهم نصفين. ارتجف صوت الأغنية في الهواء، وسقطت أول دمعة. تبعتها أخرى… حتى بكى معظمهم، كأنهم يدفنون بدموعهم ما تركوه خلفهم.

في الصباح، تفرقوا، كلٌّ إلى مدرسته. وهناك، كانت المفاجآت تتوالى. لم تكن الصحراء صماء كما ظنّوا، بل تنبض بخُطى الأطفال وقلوب أهلها. استقبلوه بحفاوة أربكته، وفتحوا له بيوتهم قبل أن يفتح فصله الدراسي.

الأطفال كانوا مختلفين: وجوههم مغسولة بالشمس، وأرواحهم مشرعة على المعرفة. لا شاشات تسحبهم، لا ضجيج يشتتهم. فقط شغفٌ صامت، وعيون تقول: “علّمنا لننجو”.

أيام تحوّلت إلى أسابيع، ثم إلى قصة عمر. تعلّم إبراهيم كيف يطبخ، كيف يصلح حذاءه، كيف يغسل ثيابه، وكيف يضحك وحيدًا. لم تعد الرمال تخيفه، بل صار يرى في كل موجة منها درسًا جديدًا في الحياة.

عرف أن الغربة ليست في البعد، بل في رفض التغيير.

وأن الصحارى، رغم جفافها، تخبئ كنوزًا لمن يصبر على كشفها.وهكذا… لم يكن إبراهيم مجرد معلّم، بل صار رجلًا، عبرَ المجهول ليجد نفسه.                                                    محمد السعيد مازغ ( يتبع) ترقبوا قصة الغد

التعليقات مغلقة.