الانتفاضة/ بقلم محمد السعيد مازغ
لكن الحياة لا تجري دائمًا كما نخطط لها…
كانت ” سليمة ” تظن أن سنوات الاجتهاد والدراسة ستفتح لها أبواب الاستقرار والسعادة، لكنها لم تكن تعلم أن القدر يخبئ لها سيناريو مختلفًا. شابة أنيقة، تحمل بين يديها شهادة في الأدب العربي، تضع أولى خطواتها في قطاع التعليم كأستاذة ثانوي، متحمسة لبناء مستقبل مشرق. عندما تقدم لخطبتها “سمير “، العسكري الصارم، رأت فيه رجلًا مسؤولًا يمكن أن تشاركه الحياة، لم تتردد كثيرًا، فارتبطا بزواج ظنته بداية لحلم جميل.
بعد فترة، رزقا بفتاة كالقمر، زادت البيت نورًا وفرحًا، فكان قلب “سليمة ” يمتلئ بالأمل وهي تخطط لمستقبل سعيد لأسرتها. اشترت بقعة أرضية، ووضعت حجر الأساس لبيت الأحلام، وأسندت إلى زوجها مسؤولية البناء، وكتبت البيت قسمة مناصفة بينهما ، دون أن تفكر للحظة في الحسابات المالية، رغم أن راتبها كان يفوق راتبه بأكثر من النصف ورصيدها البنكي يكفي لتغطية تكاليف البناء بأكملها دون حاجة لمساعدة مادية .
لكن الحياة لم تكن سهلة. كانت “سليمة ” تتحمل عبء كل شيء تقريبًا، فزوجها كثير الغياب بسبب عمله، وهي وحدها تتولى مسؤولية البيت: توصل ابنتها إلى المدرسة، تراجع دروسها، تطهو الطعام، تتسوق، وتحضر دروسها للتلاميذ… كانت امرأة بألف رجل، لا تشتكي ولا تتذمر، فقط تحاول أن تصنع حياة متوازنة وسط زحام المسؤوليات.
لكن إلى متى تستطيع امرأة واحدة حمل هذا العبء؟ وهل كان “سمير ” يقدر حقًا كل ما تفعله؟ أم أن الأمور كانت تتجه نحو منعطف لم تكن ” سعيدة ” تتوقعه؟
كان للغياب أثره في العلاقة الزوجية ، وبدت الشكوك تزداد بوجود شريكة أخرى في حياة الزوج ، يقضي معها معظم وقته ، وهو يدعي ظروف العمل ، وانتهت العلاقة بالطلاق وبقيت البنت التي نضجت في حضن والدتها.
مرت السنين والأعوام ، فتوفي الطليق ، وحضر أخوه نيابة عن اسرته يطالب بتقسيم التركة ، ومطالبة الأستاذة ببيع الفيلا المشتركة مع الطليق في المزاد العلني ، أو تفويتها لاسرة الزوج بثمن يقل عن ثمن السوق ، كانت تشعر بالضعف ، لأنها لا تجد مساندة ولا تقوى على المواجهة ، خاصة ان البنت انتقلت الى احدى الدول الغربية من أجل الدراسة ، وتكالبف الاقامة والدراسة جد مكلفة ، فلم يكن أمامها سوى الرضوخ والتنازل على الفيلا مقابل مبلغ متواضع من المال.
في ليلة هادئة، جلست الأستاذة على شرفة شقتها الصغيرة، تتأمل أضواء المدينة التي أصبحت ملاذها الجديد. لم يكن الانتقال سهلاً، فقد تركت خلفها بيتًا عاشت فيه أجمل سنوات عمرها، وذكريات نُسجت بين جدرانه. زاد من وحدتها سفر ابنتها بعيدًا، وغدرُ زوجٍ لم يحفظ العشرة، وقساوةُ أهلٍ لم يراعوا ضعفها بعد كل ما مضى.
لكنها لم تستسلم لليأس، بل وجدت في الكتابة والقراءة عالمًا آخر يحتضنها، وفي اللقاءات الثقافية والفنية متنفسًا يروي شغفها. لم تسمح للفراغ بأن يبتلعها، فملأت أيامها بالرياضة، مستعيدة عافيتها، متغلبة على كل طاقة سلبية كادت أن تطفئ بريق حياتها. شيئًا فشيئًا، عادت إليها روحها، وتلاشت غيوم الإحباط، لتشرق من جديد، أقوى وأجمل.
التعليقات مغلقة.