إنشاء حضارة العلم والإيمان

الانتفاضة // الدكتور يوسف القرضاوي رحمه الله

إن ممَّا يتطلَّع إليه تيَّار الوسطية الإسلامية والتجديد: إنشاء حضارة متميزة يفتقر إليها العالم كله، حضارة ربانية إنسانية أخلاقية عالمية، تجمع بين العلم والإيمان، وتمزج بين الروح والمادة، وتوازن بين العقل والقلب، وتصل الأرض بالسماء، وتقيم الموازين القسط بين الفرد والمجتمع، وتُعلي قوة الحق على حق القوة.
والإسلام بقرآنه وسنته ينوّه بقيمة العلم، ويرفع من قدر العلماء، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9]. والعلم ما يكشف الحقيقة للناس في أيِّ مجال كان، دينياً كان أو دنيوياً، إنسانياً كان أو طبيعياً، المهم أن يكون هدفه خير الإنسان، وسعادة الإنسان.
وعلماؤنا يقررون: أنَّ التفوق في العلوم الطبيعية والرياضية، فرض كفاية على الأمة، بحيث إذا لم يوجد لديها في كل مجال من مجالات العلوم عدد كاف من العلماء والخبراء، يُلبِّي حاجة الأمة، ويُغْنيها عن غيرها، كانت الأمة كلها آثمة.
كما يجب على الأمة أن تكون لها مدارسها الفكرية الخاصة لدراسة العلوم الإنسانية، منطلقة من فلسفتها حول الوجود والمعرفة والقيم، ونظرتها الكلية لله وللإنسان وللكون وللحياة، فتكون لنا المدرسة الإسلامية في علم الاجتماع، ومثلها في علم النفس، وأخرى في التربية.. وهكذا، في مقابل المدارس الليبرالية والماركسية.
ومن المهم هنا: الإشادة بما قدَّمته أمتنا من منجزات حضارية تاريخية بَهَرت العالم، ومن فتوحات في زمن قياسي، كانت تحريراً للشعوب من مستعبديها، ولم تكن يوماً لإذلالها أو استغلالها. والتنويه بما أسَّسته أمتنا من حضارة شامخة تميَّزت عن الحضارات السابقة واللاحقة، بتكاملها وتوازنها ووسطيتها. جمعت بين الواقعية والمثالية، بين الرقيِّ الماديِّ والسموِّ الأخلاقي، بين الاستمداد من نور الوحي، ونور العقل.
وقد شارك في صنع هذه الحضارة أناس من أديان وأعراق وأوطان مختلفة، لم تضق الحضارة الإسلامية بهم ذرعاً، وظلت هذه الحضارة أكثر من ثمانية قرون تعلم العالم، وتنشر النور، ومنها اقتبست أوربا المنهج التجريبي الاستقرائي، وتعلّمت من ابن سينا والغزالي وابن رشد وغيرهم في الشرق وفي الأندلس، كما تأثرت بالمسلمين حين اصطدمت بهم وتعاملت معهم في الحروب الصليبية.
ولا ندَّعي أن تاريخ أمتنا وحضارتها معصومٌ من الأخطاء، ولكنه أقل تواريخ الأمم مثالب، كما لا نقبل أن يشوَّه تاريخنا، وخصوصاً القرون الثلاثة الأولى، وهي خير القرون فيه، التي أثنى عليها رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم.
وواجب الأمة أن تصل هذا الماضي المجيد بحاضر يكافئه، إن لم يزد عليه، ولا تكتفي بالتغنِّي بأمجاده، والبكاء على مآسيه؛ بل واجبنا هو استلهام الماضي، والارتقاء بالحاضر، واسْتشراف المستقبل.

التعليقات مغلقة.