الانتفاضة. : بقلم محمد السعيد مازغ
بعد عشرين عامًا من الغياب، عاد إلى وطنه وهو يحمل في قلبه حنينًا جارفًا وذكريات لم تبهت رغم المسافات. كان يتوق إلى أن يجد كل شيء كما تركه: الأزقة التي حفظها عن ظهر قلب، الدفء الذي كان يميّز التعاملات اليومية، والوجوه التي كانت تبتسم دون مقابل. لكن سرعان ما اكتشف أن الزمن قد غيّر الكثير، وأن الوطن الذي عرفه لم يعد كما كان. منذ اللحظة الأولى، بدأ يشعر بالفارق. في سيارة الأجرة التي أقلّته من المطار، فوجئ بأن الأجرة أصبحت مضاعفة، وحين حاول مناقشة الأمر، لم يجد سوى نظرات باردة لا تعبأ باستفساراته. في الشوارع التي كانت تعجّ بالحياة، لاحظ كيف تحوّلت إلى مساحات صامتة، حيث الوجوه شاحبة والمارة يسيرون على عجل، وكأنهم غارقون في دوامة لا تسمح لهم حتى برفع أنظارهم. لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما دخل إلى مطعم صغير بحثًا عن استراحة قصيرة، وطلب استخدام المرحاض، ليُفاجأ بشرط لم يكن معتادًا عليه من قبل: “يجب أن تشتري شيئًا أولًا.” لحظة صمت طويلة تملّكته، وهو يحاول استيعاب كيف تحوّلت أبسط حقوق الضيافة إلى معادلات تجارية صارمة. الواقع الجديد الذي وجده في وطنه لم يكن مجرد تغيّر في الأسعار أو في القوانين، بل كان تحوّلًا أعمق في طبيعة العلاقات الاجتماعية. لم يعد الكرم العفوي حاضرًا كما كان، ولم تعد البساطة جزءًا من التعاملات اليومية. حتى المشاعر أصبحت مشروطة، والمواقف الإنسانية مرهونة بالمصلحة. هذه التجربة أثارت تساؤلاته حول معنى الغربة، فهل الغربة هي الرحيل عن الوطن، أم هي العودة إليه دون أن نشعر بأننا ننتمي إليه بعد الآن؟ بدا له أن المسافات ليست مجرد حدود جغرافية، بل يمكن أن تكون فجوة نفسية واجتماعية يصعب ردمها. وهكذا، أدرك الحقيقة المؤلمة: أحيانًا، تكون الغربة الحقيقية في المكان الذي كنا نعتقد أ
نه بيتنا.
التعليقات مغلقة.