الانتفاضة // ✍️ وهيب الغالي
منذ استقلال المغرب، لم يكن المسار السياسي والاجتماعي والاقتصادي خاليًا من الأخطاء. أخطاءٌ ارتكبتها الأحزاب، والجماعات، والمؤسسات، والنخب، وحتى من يُحسبون على التيارات المثقفة. كل طرف، بشكل أو بآخر، ساهم في تراكم هذه الأخطاء، ومع ذلك، ما زلنا نميل إلى تحميل المسؤولية لجهة دون أخرى، متجاهلين أن الجميع كان جزءًا من المشكلة.
في 2011، خرج المغاربة إلى الشارع مطالبين بالإصلاح، وكانت الفرصة سانحة لتصحيح المسار وفتح صفحة جديدة، لكن الأخطاء استمرت. الأحزاب تعاملت مع اللحظة بمنطق المناورة السياسية بدلًا من البحث عن حلول جذرية، مستغلة مطالب الشارع لخدمة مصالحها الضيقة، وبدلًا من تحقيق تغيير حقيقي، انشغلت بإعادة توزيع المواقع والمناصب، ما جعلها تفقد ثقة المواطن. النخب السياسية والفكرية بدورها لم تكن في مستوى اللحظة، حيث انقسمت بين من التحق بركب السلطة، ومن اكتفى بالتنظير دون تقديم بدائل واقعية. التيارات السياسية، بكل أطيافها، وقعت في فخ الصراعات الإيديولوجية، منشغلة بالخلافات أكثر من انشغالها بمطالب الشارع، وهو ما جعل الفرصة تضيع لإحداث تحول جذري في البلاد. وبدلاً من أن يكون الحراك نقطة انطلاق نحو مستقبل أفضل، أُعيد إنتاج نفس الممارسات التي أوصلتنا إلى الوضع الحالي، حيث بقيت دار لقمان على حالها، بل ربما ازدادت الأوضاع سوءًا.
لا يمكن الحديث عن أخطاء الماضي دون التطرق لدور الشعب، فكما أن النخب السياسية فشلت في التسيير، فإن المواطن بدوره يتحمل جزءًا من المسؤولية. كثيرون استهانوا بحقهم في التصويت، أو أعادوا انتخاب نفس الأحزاب التي خذلتهم، غير مبالين بعواقب ذلك، بينما آخرون انسحبوا من المشهد السياسي تاركين الساحة فارغة لمن لم يكن في مستوى المسؤولية. ضعف الوعي السياسي وعدم ممارسة الضغط الشعبي المستمر على المسؤولين سمح للفساد وسوء التدبير بالاستمرار، وجعل بعض الوجوه السياسية تتكرر رغم فشلها في تحقيق أي تغيير يُذكر. اليوم، لا يكفي أن ندرك أن الأحزاب والجماعات والمؤسسات أخطأت، بل يجب أن نتحرك لتصحيح الوضع.
التغيير لا يأتي بالمطالبة فقط، بل بالمحاسبة الفعلية، وهذا يبدأ من رفض إعادة إنتاج نفس الوجوه التي لم تقدم شيئًا، ومعاقبة كل من فشل في التسيير عبر صناديق الاقتراع، بدلًا من ترك الساحة السياسية رهينة لمنطق المصالح الضيقة. كما أن الضغط من أجل محاسبة الفاسدين، والانخراط الواعي في الشأن العام، كلها خطوات أساسية لتفادي تكرار أخطاء الماضي، فالتغيير الحقيقي لا يصنعه السياسيون وحدهم، بل يحتاج إلى مواطن واعٍ بدوره ومسؤوليته في صنع القرار.
المستقبل المغربي لن يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالقرارات الواعية والمسؤولة. إما أن نتعلم جميعا أحزابًا ونخبًا ومؤسساتٍ وشعبًا من أخطاء الماضي، أو نترك الفرصة للفساد وسوء التدبير ليحكم مستقبلنا كما حكم ماضينا. والاختيار، في النهاية، بيد من يؤمن بأن التغيير لا يأتي إلا حين يقرر الشعب أن يقول كلمته في الصناديق الانتخابية.
التعليقات مغلقة.