الانتفاضة // حسن المولوع
لو كان الأستاذ حميد المهداوي مجرد يوتيوبر يسبّ ويقذف الناس صباح مساء، ويطعن في أعراض الجميع من نساء ورجال، وحتى المسؤولين، لما تمت محاكمته.
ولكن لأنه صحافي مهني ينشر الوعي، فقد كان لا بد من معاقبته، لأن جريمته أنه لم يمتهن التشهير، ولم يطعن في الأعراض، ولم يهدد، ولم يستقوِ بأحد.
أما جريمته الكبرى، فهي أنه طالب في سلك الدكتوراه، ولا يمارس الابتذال، بل يطرح مواضيع للنقاش، ويثير التساؤلات في إطار القواعد المهنية المتعارف عليها.
لو كان حميد المهداوي مجرد يوتيوبر، لتمتع بحصانة غير معلنة، يذهب في الصباح إلى الفرقة الوطنية ويعود في المساء، ثم يخرج أمام العموم ليلعن من تجرأ وقدم شكاية ضده، في تحدٍّ صارخ للقانون والمؤسسات وحتى الأعراف.
فالمتعارف عليه أن الإنسان يلجأ إلى القضاء ليحميه، والقانون وُجد لمنع شرع اليد، لكننا أصبحنا نلاحظ أن حتى من يقدّم شكاية لم يعد محمياً بموجب القانون، وكأن الرسالة الضمنية تقول: لا تُقدّموا شكايات، ومن تجرأ على ذلك فجزاؤه المزيد من السبّ والقذف والطعن في العرض والتهديد.
لقد كنا نعلم أنه عندما تكون القضية قيد البحث، فإن المشتكي والمشتكى به يحترمان المسطرة القانونية في إطار التوقير الواجب للمؤسسات، دون التجاوز في حقها.
لكننا اليوم أمام بدعة جديدة: قدّمت ضدي شكاية؟ إذن ألعن أباك وأمك لأنك تجرأت، وأواصل سبّك وقذفك بلا رادع!
من المعلوم أنه عندما تُوضع شكاية لدى النيابة العامة المختصة وتأمر بالبحث فيها، فإن ضابط الشرطة، إذا ارتأى أن المتهم قد يُقدم على أفعال أخرى بعد إخلاء سبيله، فإنه يوقفه ويبقيه قيد الحراسة النظرية بعد استشارة النيابة العامة الى حين استكمال البحث .
وإذا ما تم تقديمه أمام وكيل الملك، فإنه يقرر – وفقاً لخطورة الأفعال – ما إذا كانت المتابعة ستتم في حالة سراح، أو إن كان من الضروري إبقاؤه رهن الاعتقال الاحتياطي لدرء خطره على المجتمع. لكن واقع الحال أضحى ينطق بالعكس.
ولنتذكر واقعة رضى الطاوجني، الذي لم يكن محتواه قائماً على التشهير والسب والقذف الواضح والطعن في الأعراض، ورغم ذلك، تمت متابعته في حالة اعتقال، وحُكم عليه بأربع سنوات سجناً، قبل أن ينال العفو الملكي السامي.
وهناك أمثلة أخرى كثيرة، تطرح تساؤلاً ملحاً: من يتحمل المسؤولية إذن؟ وهل هناك حقاً ربط للمسؤولية بالمحاسبة، أم أنه مجرد شعار مكتوب؟ وهل قضاء بلادنا قضاء لجميع المواطنين والمواطنات، أم أنه قضاء محتكر لفئة دون أخرى؟
بل السؤال الأهم: هل من حقي الآن طرح هذه التساؤلات، أم أنني أرتكب جرماً يعرضني للمتابعة؟ وهل سأكون مطمئناً بعد نشر هذه السطور، أم أن المعني بها سيُطلق عليّ وابلاً من السب والقذف والتشهير والطعن في العرض، كما فعل سابقاً؟ لا أدري، لأنني بكل صدق أصبحت أعيش حالة من اللا أمن، وهي ذات الحالة التي باتت الغالبية تعيشها، فبدون أمن قضائي تصبح الحياة رهيبة ومرعبة.
الحمد لله أن المؤسسات المعنية تمنحنا رسائل واضحة، مفادها أن السبّ والقذف والتشهير والطعن في الأعراض أفعال مشرعنة، أما الصحافة، فهي جريمة. فأن تكون صحافياً، فهذا يعني أنك أشبه بمن يحمل الممنوعات، فالتهمة جاهزة والعقوبة حتمية.
الساحة الحقوقية في المغرب حالياً تشبه صاحب بيتٍ استنجد بالرقم 19 لطلب الشرطة، بعدما اقتحم شخصٌ كلَّ غرف البيت، مسلَّحًا ومُطلقًا كلامًا فاحشًا في حق أسرته، فجاءه الرد: “واش كاين الدم؟” فالتشهير وانتهاك الأعراض لا يستدعي التدخل، أما إن كنت تحمل القلم لتكشف الحقيقة، فأنت وحدك في مواجهة القانون.
ربما علينا العودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، لإعادة النظر في المفاهيم التي درسناها سابقاً، فقد كانت مجرد أوهام وكتابات على الورق.
لأن القانون لم يعد فوق الجميع، والناس ليسوا سواسية أمامه. لقد أصبح القانون مرتبطاً بمعرفتك بمسؤول تستقوي به، أما ما دون ذلك، فهو مجرد حرث في الماء.
التعليقات مغلقة.