االانتفاضة // د . مولاي علي الخاميري // أستاذ جامعي – مراكش
العنوان غريب في ادعائه وربما يثير استغرابا ، وحتى استنكارا في وعي من لم يهضم حقيقة العشاقي في شعر الملحون ، ولم يتتبع خيوطَه وتقاطعاتِها الكثيرة ما بين الشعراء المتقدمين ونظرائهم المتأخرين ، وكذلك من لم يفحص ويتفحص القول هنا ، والقول هناك .
المقصود بالمتقدمين عندي هو زمن الشاعر المدغري وما قبله ، أي أن الزمن المتقدم ينتهي بزمن المولى عبد الرحمان ، وليس معنى هذا أن المتأخرين لم يصيبوا في الشعر العشاقي ، فالملاحظة تقول إن من أفلح منهم اخترع طريقا خاصا به للقول في العشق ، ميزته عن المتقدمين ، مستوحاة من تَمكُّنِ الذات الشاعرة ، ومن القوالب المستعملة في القول الشعري كما فعل الشاعر المكي بن القرشي رحمه الله ، وأضيف هنا بعض قصائد الشاعر أحمد سهوم رحمه الله مثل قصيدة : ( المدَجَّة ، والجمال المطلق ، وجليلة ، والهواوية ) لاعتبارات عندي تخص كل قصيدة كاحتفال الشاعر بمدينة الصويرة في القصيدة الأولى ، وإدراج بعض المظاهر العصرية للحياة التي عاش زمنَها بتأمل وَلَّدَ نهجا ذاتيا جديدا في قصيدتيه الثانية والثالثة ، أما القصيدة الرابعة فقد سردت واقعة الغرام مع الهرم كما قال ، وهي تجربة خاصة وصريحة وصادقة وواقعية في شعر الملحون ، وقد تَخَلَّفَ عن الركب من الشعراء ما تبقى وصار على المنحى القديم المكرر ، وجاءت أشعاره باردة ومُقَلِّدة ، وليس لها رونق محمود ، وهذا ما حذرتُ منه شعراء الملحون في زمننا ، فأغلبهم ليس مُقلِّدا فقط ، وإنما هو مُكَرِّرٌ للعموميات ، وللمشترك ما بين شعراء الملحون بشكل إن أردنا وصفه بوصف محترم سنقول عنه إنه ضعيف ومبتذل ، فاقدٌ لِهُوِيَةِ صاحبه ، ولكل معنى يُفَرِّدُ الذات ، ويميزها عن غيرها في صقل المعنى ، ورَفْدِهِ بالجديد المطلوب ، اللهم إلا ما تعلق بالشكل الخارجي للقصيدة من جهة الأقسام ، وشيء مما يتعلق بالإيقاع في قواعده الكبرى ، ومع ذلك يظنون أنهم وحدَهم الفرسانُ مغاويرُ الميدان .
وما قلتُه ليس ادعاء ، ولا إقصاء إلا لمن يتوهم أن شعر الملحون يسهل الركوب عليه ، ويُكتَفَى فيه بالمظهر العام ، وإنما هي شَنْشَنَةٌ قديمة ، وَقُبحٌ عانى منها القدماء ، وعالجوه ، وحذروا منه ، وسعوا إلى التعريف ، أو التشهير به لسلبياته المنتشرة فيما بينهم آنذاك ، وهذا ما عناه الشيخ الجيلالي امثيرد بقوله في نهاية قصيدة : ( الهيفا – الديوان : 138 ) :
قولوا لمن ابغا اعراض المايا
ولا ادرا لها بدراية
مني خود جل أوصاية
سلم للبيب المصمودي لا اتعارض اكلوف
والغي اجواب الهتوف
طيع القماهر النظامة لا اتكون داعي
والداعي ما اعلى بدرجة
يامن لا جاب للاشياخ افتوح .
وكلمة ( لفتوح ) لا تعني المعنى المتداول اليوم فيما بين العامة من الناس بقدر ما يجب ربطها بالوسط الملحوني ، وبمفهوم الشيخ المَصدَرِ والمُلهِم ، وبإشكالية الإبداع الحقيقي ، وضرورة تميزه ، وابتعاده عما يدور من تشويش على قواعد الإبداع الصحيحة .
ويقول كذلك تأكيدا لموقفه الفائت في نهاية قصيدة : الزطمة الثانية ( الديوان : 167 \ 173 ) :
كثروا اشياخنا واقلال اليضمار
ما ابقى سر ولا طيبة اعلى الكلام
من صبن درسه اعلى افضل اتشامير
واخفض سرابة مع اقصيدة
فضلة الجواد كيجلد دفه
وايقول شيخ لا طيبة لا ميزان
لا اخزانة يفخر بها إلى اطوال الملعب
كثرو اشياخ السيبة قوم بلا احكام
حتى هما صابوا ازمانهم امثلهم
لا سر لا وقر لا طيبة للماهرين
تفرق بين اصحاب النظام
واقليل الطاعة ما ينال
وحكمة المولى ما يذكرها سفالي ملموس .
لله در الشاعر امثيرد إذا كان هذا هو حال زمانه فماذا عسانا نقول عن زمننا وتفلتاته الإبداعية الكثيرة ، ولاسيما في ساحة الملحون التي أضحت مُتْرَعَة في وجه كل وَالِج ، وَالِغ بلا استئذان ، ولا حدود ، ولا حراس يذودون عن الحِمَى في وقت الشدة ، فالضمائر الحية اختفت ، وتركت الميدان لكثرة من المترامين المزورين ، الداعين ، المقلدين .
من آفة المتأخرين أنهم ركزوا في الأذهان أن شعر العشاقي يعني وصف أطراف المرأة الخارجية فقط ، وهو المَعْلَمُ الموجود في جل أشعارهم ، وبه يتباهون ويتطاولون على وصف الشاعر في حضيرة الملحون ، وما دروا بالمعنى الحقيقي لشعر العشق ، وسأعمل على الإشارة إلى بعض صفات ومميزات ذلك المفقود عندهم ، مسترسلا مع عناوين ، تناسب طبيعة المقال في الاختصار كالآتي :
1 – الكم والتنوع : معنى أن تكون شاعرا بالمفهوم العام أن تبقى مُنشِدا للشعر طيلة عمرك بتنوع واستمرارية ينبئان بتدفق المشاعر واشتعالها بحرارة ملموسة ، وكاشفة عما يجول في النفس ، ولهذا كان شعر العشق هو الأكثر ترددا لدى كل الشعراء ، لأنه الأصلح لإقامة القواعد والمعايير على تباينات الشعراء ودرجات إبداعهم ، فالعشق يلتصق بالذات ويُظهِر تجاربَها المتصلة بالحياة بصدق ، والشاعر الجيد يكون دائما متجددا في دواخله وخياله وعاطفته وقوالبه المستعملة ، وقد أحصيت للشيخ امثيرد زهاء خمسين ( 50 ) قصيدة عشاقية ، في كل واحدة هو غيره في القصيدة الأخرى ، بمعنى أننا حصلنا على خمسين نسخة ، أو ذاتا تنبعث من الوجود الأصلي للشاعر بصفة متجددة ومتطورة ، ومقبولة في جميع القصائد ، وهذا شيء نادر في عالم الإبداع ، أن تًثبُت القريحةُ متشاعرة باتِّقاد ، وجودة مُطَّرِدة دائما .
ومن باب التمييز والتبيين أكثر للفكرة المطروحة والخاصة بشعر العشق يمكن أن نطالع المعطيات السريعة التالية :
ا – الصيغة المباشرة في تناول موضوع المحبوبة ، وتشكل الأكثرية النوعية الواردة في ديوان امثيرد ، وغالبا ما يكون موضوعه مرتبطا باسم من أسماء المرأة مثل قصيدة : خدوج ، طامو ، تاجة ، اهنية ، كبورة.
ب – اختراع المناسبات المتنوعة ، وقوالب الأداء للحديث عن المعشوقة كالبحر والطير ، وخال وشامة ، والحراز ، وانهار الخميس ، والدامي.
ج – الإفصاح عن بعض الخلاصات المنتقاة من سياق العشق ، وهي ذروة أقوال امثيرد ، وفيها تنوع واجتهاد ورؤى واضحة ، احتضنها شعره ، وتتنوع إلى ما يتصل بالمرأة وضرورتها الحياتية ، وأدوارها المجتمعية من جهة تحقيق التوازن ، وبيان تكامل الرجل والمرأة كقوله : ( الديوان : 243 ) .
ما احلى صوت النسا إلى يدويوا
في القلب والعظا يشربوا
ويلا ايجيوا
روض المهجة اجوارحه يحييوا
محي الدمام .
وكقوله : ( الديوان : 248 ) :
لا لدة من دون النسا جعل الله كلامهم يسري في القلوب امصال .
وهناك نوع آخر يخص الإنسان على العموم ، صار فيه شاعرنا على نهج الحكماء ، لأنه استطاع أن يؤسس ويثبت أقوالا حِكَمِيَة مستفادة من تجربة الحياة والعشق على وجه الخصوص ، أعجبت بها كثيرا ، وسأروي ما ورد منها في قصيدة : ( فاطمة شرع الله امعاك بين الاريام – الديوان : 281 ) :
– والمليح إيساعد وامساعداه الايام
والقبيح أفعاله وامصايبه اتصيبه .
– كن كنتي بين افحول النجايب امقام
لو اعلات الحيطان اصوارها اريبوا .
– نظري بملامح النجال اللي سبقوك
اكما فرغوا يفرغ سوقك بزحامه
سيري حتى يشرب عودك بلجامه .
– لو احكمتي واتحكمتي إيفرغ الحكام
ساعة الظلم اتفوت وناسها إيغيبوا .
– قالت الشعراء والعرفان
من لا يحسن بحسان ما ايليه امعرفة .
– نكار الخير قالت الناس احرامي .
– والكدوب أمولاتي في المداهب حرام
قال مملوك اغرامك بردي لهيبه .
2 – مراعاة التسلسل الهرمي في وضع المعايير ، فكلما استطعنا إقامتَها وتشييدَها على الفترات الإبداعية القوية سننجح في مهمتنا ، ونستطيع ضمان ديمومة الإبداع ، والمحافظة عليه بجودته وأصالته ، فلا قيمة للمتأخر إذا لم يتفوق على المتقدم ، ولا اعتبار له إذا صار مستواه ضعيفا ومتخلفا عن الركب ، يصرخ ، ويصيح ولكن لا يفيد ، ولا يصنع عوالم ، ولا يفتح أبواب الجدة والتطور ، يكتفي بالتكرار والإعادة السلبية لدورة الإبداع ، والخِشيَةُ الكبرى هنا أن تتربى الأجيال الجديدة على فُتَاتِ المتأخرين من شعراء الملحون ، وبفجاجته الملاحظة فيضيع شعر الملحون بين أهله مرة ثانية .
من الأمثلة البارزة على ما قلت توافق الشاعرين الكبيرين : الجيلالي امثيرد والتهامي المدغري على إنتاج معنى الحسن والزين بلمسة تقترب من معنى الاشتراك ، اتكاء على قواعد ذاتية ، تغترف من الدواخل المكتوية ، ثم الانطلاق منها إلى عوالم الخارج ، وإخضاعها لمشيئتهما في الإحساس والبوح ، ومن العجيب هنا تشابه حربة قصيدتين لهما ، وتقارب مضامينهما المتفرعة عنها مع استقلال كل شاعر برؤيته الفردية والمتفردة ، يقول امتيرد في حربة قصيدة : ( تاجة – الديوان : 133 ) :
دام الله الحسن والمحاسن في غرة تاجة
تاجة تاجة اخليلتي تاجة بودواح .
ويقول المدغري في حربة قصيدته ( الديوان : 158 ) :
دام الله الزين والبها الفتان
في جمال صورة الحسن
ضي العيان
سيدي حسن صانع الشفرين
طب القليب.
وتتلاقى القصيدتان المذكورتان في نقط عديدة ، وكأنهما كتبتا في لحظة زمنية واحدة ، ومن طرف شاعر واحد ، وهذا يدل على أن العباقرة في الإبداع يتسلسلون فيما بينهم عبر الحِقَب الزمنية وإن تباعدت ، ويحافظون على حقائق الإبداع الداخلية والخارجية ، ويدمجون الماضي الإبداعي في الحاضر القائم بغية تحقيق معاني التواصل الإيجابية بين الأجيال والأزمان مع التمسك بالقواعد الأصيلة ، والسعي إلى تجويد معطيات القصيدة المختلفة ، فالملحون إذا سار على هذا النحو فليس عليه خوف ما دامت العناية السماوية تفعل فعلها ، وتحافظ على الأدوار بين المتناقضات كالغث والسمين .
3 – من التطورات المفيدة واللافتة في شعر الملحون تلك الملامح الفكرية والفنية التي تحكم شعر العشاقي في مجراه الصحيح بداية ونهاية ، وهو نوع من البناء يخص أقسام القصيدة الواحدة ، كما يهم علائق القصائد فيما بينها داخل الغرض الواحد ، يقول امثيرد في قصيدة : ( أهنية – الديوان : 155 \ 156 ) :
إلا انتي قلبك هناك
أنا قلبي رب الكريم إيعجل بدواه
يوم ريت اجمالك وابهاك
احصلت لي المحبة بحب شلا نقواه
ما ازها لي من غير اهواك
الناس ادواح وكلها وعشقه واهواه
اش نهوى دونك يا توكة البية
الجوارح بهواك بلا اجناح طاروا
شاق شوقي واعظم يا طلعة الثرية
ليمتى داك الحصن اتضمني اسواره .
ويقول عن ساعة الفراق من قصيدة : ( الزطمة الثانية – الديوان : 171 ) :
ما احلى ساعة مرحبا
وما أصعب ساعة تبقى بخير
وادوات قالت ولفي
لا اتطول غيبة بيناتنا
ولهلا يفرق الحبيب عن احبيبه
المحبة سابقة والغرام اشديد
مرسولنا إيجيب اخبارك
ويجيب ليك خبري
في أمان الله سير
ودعتك في يد الله
صون سرك كتمان السر ما ايعيبك
والصمت امليح فيه احكمة
ودعت الباهية
وسرت امسلي سالي اسليم.
يخيل لي الآن أن غرض القول ، أو الموضوع كما هو حديثنا الآن عن الشعر العشاقي في الملحون لم يكن مانعا من توسيع نظرة الشاعر الحياتية كما رأينا في الأمثلة السابقة ، وهو معيار جديد وحاصل في شعر الفطاحل ، يمكن أن نعتمده للتفريق بين الشعراء من ناحية التقليد والاجترار ، أو الجودة والاجتهاد ، تبعا لِتوهج درجات قرائحهم من جهة الضعف والادعاء ، أو من جهة القوة والتفرد .
التعليقات مغلقة.