تصنيف التصرفات النبوية: إسهامات الدكتور يوسف القرضاوي

الانتفاضة // بقلم // رئيس الوزراء المغربي السابق: الدكتور سعد الدين العثماني (*)
تمهيد:
يعتبر الدكتور يوسف القرضاوي واحدًا من أبرز العلماء المعاصرين الذي خدموا السنة النبوية، وتعددت كتاباته في ذلك وتنوعت، وقلَّ أن يوجد مؤلف من مؤلفاته إلا ويتضمن دفاعًا عن السنة، وإشارات في ترشيد فقهها وأسلوب التعامل معها. ومنها على سبيل المثال: (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟)، و(السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة)، و(المدخل لدراسة السنة النبوية)، و(دراسة في فقه مقاصد الشريعة: بين المقاصد الكلية والنصوص الجزئية)، و(شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان)، و(السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها)، و(نحو موسوعة للحديث النبوي: مشروع منهج مقترح)، و(المنتقى من كتاب الترغيب والترهيب للمنذري).
وفي مختلف مؤلفاته يؤكد الدكتور القرضاوي على أهمية السنة النبوية في فقه الدين، وفي تجديده، ويؤكد على أنه إذا (كان القرآن الكريم يضع القواعد العامة والمبادئ الكلية، ويرسم الإطار العام، ويحدِّد بعض النماذج لأحكام جزئية لا بد منها، فإن السنة النبوية تفصِّل ما أجمله القرآن، وتبيِّن ما أبهمه، وتضع الصور التطبيقية لتوجيهاته). ويجعل من أوضح ما تتمثل فيه الأزمة العلمية والفكرية لدى المسلمين اليوم: أزمة فهم السنة والتعامل معها، وخصوصًا من بعض تيارات الصحوة الإسلامية! فكثيرًا ما أُتي هؤلاء من جهة سوء فَهمهم للسنة المطهرة[2]. ويحذر الدكتور في كتاباته من آفات حذرت منها أحاديث نبوية صحيحة، تصيب بعض المشتغلين بالسنة النبوية وبعض الشباب المتدين، وهي أساسًا أمور ثلاثة: أولًا: تحريف أهل الغلو، سواء كان في الفهم أو في السلوك. ثانيًا: انتحال المبطلين، الذين يدخلون في السنة ما ليس منها. ثالثًا: تأويل الجاهلين، الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.
كتب كثيرون قبلي عن إسهامات الدكتور القرضاوي في علوم السنة، لذلك اخترت أن أكتب في موضوع دقيق من مواضيعها؛ لأدلل على عمق الحس العلمي والمنهج الوسطي عند الدكتور، وهو من إسهاماته الكبرى في العلم الذي ورثته الأمة عن نبينا صلى الله عليه وسلم.
إن موضوع تصنيف التصرفات النبوية – من حيث دلالتها التشريعية – لهو من أهم المواضيع التي قلَّ التركيز عليها في كتب أصول الفقه وأصول الحديث، على الرغم من أهميته في تمثُّل المنهج الوسط والمتوازن في فهم السنة. وبقي الكثير من العلماء يتناولونه جزئيًّا وباقتضاب، ولا يجعلونه مدخلًا من مداخل التجديد في الدين، وفي فهم السنة النبوية الشريفة.
وقد أشار الدكتور القرضاوي مبكرًا إلى أن كتابات العديد من العلماء والمفكرين في هذا الموضوع لم تبتعد كثيرًا عما قاله الإمام شهاب الدين القرافي، مما حدا بمحدث مصر الأستاذ أحمد محمد شاكر، إلى أن يقترح – في حديث له عن تقنين الشريعة – إنشاء لجنة فقهية تتكلف بالتقنين، ترأسها لجنة عليا تقوم – من بين ما تقوم به – بدراسة مسائل أصول الفقه. وجعل من بينها أن (تحقق القاعدة الجليلة الدقيقة، التي لم يحققها أحد من العلماء المتقدمين – فيما نعلم – إلا أن القرافي أشار إليها إشارة موجزة)، ثم ذكر قاعدة التمييز بين تصرفاته صلى الله عليه وسلم. وقد أيد الدكتور القرضاوي هذا الاقتراح مشيرًا إلى أن قليلين هم الذين التفتوا إلى تحقيق مثل تلك الأمور الأصولية الجوهرية[3].
ثم أسهم الدكتور القرضاوي إسهامات نوعية، في التأصيل للموضوع وتعميق البحث فيه على المستوى النظري، وفي تطبيقه على أمثلة بعضها سُبق إليه من بعض العلماء، وبعضها لم يُسبق إليه. فكانت تحقيقاته مرجعًا للعشرات من العلماء والباحثين بعد ذلك، وعاملًا من عوامل إحياء هذا الفقه الجليل.
ومن كتاباته التي ضمت تلك التحقيقات:
1. كتابه (شريعة الإسلام)، حيث أورد العديد من القواعد والضوابط لفهم السنة، وتحدث عن هذه القاعدة، وضرب لها بعض الأمثلة.
2. بحثه المعنون بـ(الجانب التشريعي في السنة النبوية)، المنشور ضمن أعمال ندوة (السنة النبوية ومنهجها في بناء المعرفة والحضارة)، التي نظمتها مؤسسة آل البيت في عمان بتنسيق مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي، في سنة 1992م. وهذا البحث كان مستوعبًا لإشكالٍ شغل الكتابات الإسلامية لسنوات حول السنة التشريعية وغير التشريعية، وتبنَّى فيه الموقف الوسط الذي هو موقف كبار علماء الإسلام.
3. كتابه (السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة)، الذي خصَّص القسم الأول منه للموضوع، وكان عنوانه (الجانب التشريعي في السنة النبوية). فكان تدقيقًا وتعميقًا للبحث السابق.
4. كتابه (كيف نتعامل مع السنة النبوية؟). سنتناول تباعًا أهم إسهامات الدكتور القرضاوي في الموضوع على المستويين النظري والمنهجي من جهة، والتطبيقي من جهة ثانية.
أولًا – الجانب النظري والمنهجي:
اهتمَّ الدكتور القرضاوي بتوضيح الجانب التشريعي من السنة النبوية، والتمييز بين ما كان منها للتشريع، وما ليس للتشريع، وما كان للتشريع العام، وللتشريع الخاص.
فقد نص تحت عنوان: (حقائق تراعى في فهم الأحاديث النّبوية)، على أن مما يساعد على فهم الأحاديث النبوية فَهمًا صحيحًا اعتبار الحقائق التالية[4]:
1. التمييز بين ما بُني من الأحاديث على علَّة مؤقَّتة يزول الحكم بزوالها، وما ليس كذلك.
2. التمييز بين ما بُني من الأحاديث على عرف تغيَّر فيما بعد، وما ليس كذلك.
3. التمييز بين ما هو عام من الأحاديث لكلِّ المكلَّفين، وما هو خاص ببيئة وقوم معيَّنين.
4. التمييز بين ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، أو فعله بوصف الإمامة، وما قاله بوصف الفتوى والتبليغ عن الله تعالى.
5. التمييز بين حديث جاء في واقعة حال معيَّنة، وما كان تشريعًا عامًّا دائمًا.
وبالتمعن في هذه القواعد نجد أغلبها يدخل في باب التمييز بين أنواع التصرفات النبوية حسب دلالتها التشريعية. وقد وصفها الدكتور في مكان آخر بأنها تحتاج إلى (فقه عميق، ونظر دقيق، ودراسة مستوعبة للنصوص، وإدراك بصير لمقاصد الشريعة، وحقيقة الدين)[5].
وقد استعرض في القسم الأول من كتابه (السنة مصدرًا للمعرفة والحضارة)، أقوال علماء الإسلام في الموضوع، وخصوصًا ابن قتيبة الدينوري، وشهاب الدين القرافي، وابن قيم الجوزية. كما استعرض مواقف المعاصرين وأدلتهم، وتبنى الموقف الوسط بين الإفراط والتفريط، بين مَن يسرف في إخراج السنن من اعتبارها تشريعًا، ومَن ينكر وجود ما ليس من التشريع في تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأكد منذ البداية على حقيقتين، يرى (أن لا خلاف عليهما، أو لا ينبغي الخلاف عليهما)، وهما:
أولًا: أن جمهرة السنة – سواء كانت أقوالًا أم أفعالًا أم تقريرات – هي للتشريع، مطلوب فيها الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي جعل الله الهداية في اتباعه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ؛ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158].
ثانيًا: أن من السنة ما ليس للتشريع، ولا يجب الطاعة فيه، وهو ما كان من أمر الدنيا المحض، وهو الذي جاء في الحديث الصحيح: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.وهو الذي ورد في حديث تأبير النخل.
ويعيب الدكتور القرضاوي على الذين تناولوا (هذه القضية الكبرى) أنهم وقفوا – كما هي عادتنا – في جُلِّ قضايانا المعاصرة، وبخاصة القضايا الفكرية، بين طرفي الإفراط والتفريط.
فهناك (مَن يريد أن يخلع عن السنة رداء التشريع في الأمور المذكورة، وفي غيرها من شؤون المعاملات في هذه الدنيا، متوكِّئًا على الحديث المذكور: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.
وهناك (مَن ينكر أن يكون من السنة شيء ليس للتشريع، محتجًّا بأننا مأمورون باتباع سنة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا ثابت بالنصوص والإجماع، فكيف تكون هناك سنة لا تتبع)؟
وتحت عنوان (قضية كبيرة تحتاج إلى تحقيق) من الكتاب نفسه، استعرض الدكتور القرضاوي أقوال العلماء القدامى، وخصوصًا ابن قتيبة الدينوري وشهاب الدين القرافي وابن القيم، وأقوال العلماء المعاصرين، مثل: العالم الهندي شاه ولي الله الدهلوي، ومحمد رشيد رضا، ومحمود شلتوت، ومحمد الطاهر بن عاشور. واستند في تحقيقه للموضوع إلى فقه الصحابة في تعاملهم مع تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يعتبرونها كلها سنة وتشريعًا عامًّا، فبعضها كان لسبب مؤقت زال، وبعضهم قد يكون (صدر بصفة الإمارة والرئاسة؛ لا بصفة الفتوى والتبليغ عن الله تعالى).
وخلص إلى أنه تبين من خلال هذا البحث، (أن من السنة النبوية المنقولة إلينا: ما لا يدخل في باب التشريع، وإنما هو من أمر دنيانا المحض، الذي ترك تدبيره وتنظيمه إلى عقولنا واجتهادنا – ونحن أعلم به – كما أن منها ما لا يحمل صفة التشريع العام المطلق الدائم، الذي يخاطب الناس به في كل زمان ومكان، بل قصد به حالات جزئية في ظروف معينة، وهو ما قاله أو فعله صلى الله عليه وسلم، بصفة الإمامة والرئاسة التي كانت له، فهو إمام المسلمين ورئيس دولتهم، والقائم بأمر سياستهم، وبيده سلطة التنفيذ، أو بصفة القضاء والحكم التي كانت له أيضًا).
وإن النظر إلى السنة المشرفة بهذا المنظار الفاحص: يحلُّ لنا كثيرًا من المشكلات في تراثنا الفقهي، ويخرج من الكثير من الخلط وسوء الفهم. كما يغنينا عن كثرة القول بالنسخ في الأحاديث النبوية. فكثير مما قيل بأنه منسوخ، ليس كذلك حقيقة، لأنه كان يمثل (سياسة شرعية نبوية في موقف معين، ولأسباب وملابسات معينة، فلما تغير السبب الموجب: تغير الحكم).
ومن ذلك أيضًا: كون (بعض ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم، ليس من شؤون الدين التي يُطلب فعلها أو الكف عنها؛ ابتغاء ثواب الله تعالى وطلبا لمرضاته). وهو ما يسميه العلماء: أمر إرشاد، أو نهي إرشاد. وهذا يفسر (كيف ترك الصحابة رضوان الله عليهم، بعض ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، لمَّا لم يروا أنه للإيجاب ولا للاستحباب، وإنما هو للإرشاد، إلى مصالح دنيوية يسعهم أن يجتهدوا فيها، وأن يروا فيها رأيا آخر).
وقد عزَّز الدكتور حفظه الله، كل ذلك بالأمثلة المستفيضة التي ذهب فيها السلف إلى اعتبار هذه القاعدة المنهجية المهمة في فَهم التصرفات النبوية. وذلك مثل: الوصفات الطبية الواردة عنه صلى الله عليه وسلم، فهي من باب الإرشاد، الذي لا ينقص الثواب بتركه، ولا يزيد بفعله.
ومن تصرفاته صلى الله عليه وسلم أيضًا: ما صدر بمقتضى بشريته. فهي ليست وحيًا من الله تعالى، ولا قصد بها التبليغ عن ربه، كما أنها (ليس لها أي صفة تشريعية).
هذه هي أهم المداخل المنهجية التي ركَّز عليها الدكتور في تناوله لهذه القضية الجوهرية، بهدف التأسيس لرؤية وسطية متوازنة للتصرفات النبوية وأبعادها التشريعية. وهو ما يدعونا إلى تسجيل السمات التالية:
1. الاهتمام بالموضوع من قِبل الدكتور القرضاوي بدأ مبكرًا، وفي وقت كانت فيه المدرسة الحرفية في فَهم النصوص النبوية تطغى على فهم قطاعات عريضة من الشباب المتدين، وفي وقت كانت الكتابات في الموضوع شحيحة محدودة.
2. اعتبار القضية (قضية كبرى) ذات أهمية، تحتاج إلى تحقيق.
3. عرض القضية بأسلوب مبسط بعيد عن التعقيد الذي ميز بعض الدراسات الأصولية، وهو ما سهَّل عرضًا مقنعًا لموضوع معقد.
4. الالتزام بتحقيقات أئمة الإسلام المعتمدين والمشهورين، وتبنِّي آرائهم في الغالب الأعم، والحرص على عدم الابتعاد عن المشهور من أقوالهم.
5. إثبات أن أصل تقسيم ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، من أقوال وأفعال من حيث دلالته التشريعية صحيح وثابت، لكن الخلاف يمكن أن يقع في تفاصيله وتطبيقاته. وهذه جوانب تحتاج – في رأينا – إلى مزيد جهد وتحقيق[6].
6. التحذير من الإفراط أو التفريط اللذين قد يقع فيهما الدارس للسنة، إما بإثبات صفة التشريع عما ليس كذلك، أو نفيها عما هو تشريع. لذلك فإن الموضوع يحتاج إلى تبصر وتثبت، ونظر في الأدلة القرآنية، وإعمال لمقاصد الشرع.
ثانيًا – الجانب التطبيقي
إضافة إلى تناول الجانبين النظري والمنهجي في الموضوع، اهتمَّ الدكتور القرضاوي بالجانب التطبيقي في العديد من مؤلفاته، وأغنى القواعد التي شرحها بالعديد من الأمثلة والنماذج. كما أورد أمثلة غير مسبوقة انطلاقًا من دلائل وقرائن، ما شكَّل إضافات نوعية في هذا الجانب. ففي كتابه: (فقه الزكاة)، عرض الدكتور القرضاوي في أكثر من موضع لما يصدر عن النبي عليه الصلاة والسلام، بوصف الإمامة والرئاسة، لا بوصف الفتوى والتبليغ أو النبوة، ووجد فيه حلًا لمشكل تنوع تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين في بعض أمور الزكاة وأنصبتها ومقاديرها، وإمكان العفو عن بعض الأموال فيها فلا تؤخذ منها زكاة.
النوع الأول من تلك الأمثلة التطبيقية:
ما رجَّح فيه الدكتور قول علماء سابقين على أنها تصرفات نبوية بالإمامة، ونذكر منها:
1. مقدار الجزية:
فقد روى معاذ بن جبل، أن النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه إلى اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالم – أي بالغ – دينارًا أو قيمته معافر[7]. والمعافر نوع من الثياب معروفة باليمن.
وقد اختلف العلماء في مقدار الجزية. فمنهم من ذهب – عملًا بالحديث – إلى أن الواجب في الجزية دينار على الغني والفقير لا ينقص منه شيء. وقال آخرون بأن الواجب مقادير أخرى؛ عملًا بفعل عمر بن الخطاب الذي زاد في مقدارها في عهده، فجعلها أربعين دينارًا على أهل الذهب، وأربعين درهمًا على أهل الورق[8]. وذكر الثوري أنه رُويت عن عمر ضرائب مختلفة على أهل الذمة الذين أخذوا عَنوة. وقد حار بعض العلماء في تأويل فعل عمر بن الخطاب، منهم الشوكاني الذي قال: (ولعل ما وقع من عمر وغيره من الصحابة من الزيادة على الدينار؛ لأنهم لم يفهموا من النبي صلى الله عليه وسلم، حدًّا محدودًا، أو أن حديث معاذ المتقدم واقعة عين لا عموم لها، وأن الجزية نوع من الصلح)[9].
ولكن كثيرًا من العلماء، أقدمين ومحدثين، اعتبروا أن هذا الاختلاف في التقدير
مرتبط بمراعاة حال الناس غنًى وفقرًا. وقد عبَّر عن هذا الرأي تقي الدين ابن تيمية بوضوح فقال: (ولهذا اختلف الفقهاء في الجزية: هل هي مقدرة بالشرع، أو يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة؟ وكذلك الخراج.
والصحيح: أنها ليست مقدرة بالشرع، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ أن يأخذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافريًّا قضيةُ عين، لم يجعل في ذلك شرعًا عامًّا لكل مَن تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة، بدليل أنه صالح أهل البحرين، على كل حالم، ولم يقدر هذا التقدير، وكان ذلك جزية، وكذلك صالح أهل نجران على أموال غير ذلك، ولا مقدرة بذلك. فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون)[10]. ومعنى كلام ابن تيمية أن تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم، في هذه القضية كان بوصفه إمامًا سياسيًّا، أي رئيسًا للدولة، لا بوصفه نبيًّا ورسولًا. وقد تبنَّى الدكتور يوسف القرضاوي هذا الرأي ودافع عنه في عدد من كتاباته[11].
2. حكمه صلى الله عليه وسلم على الزاني بالتغريب والنفي:
فقد رأى الحنفية أنه سياسة وتعزير منه صلى الله عليه وسلم، وهو ما ناصره الدكتور القرضاوي، مستدلًّا بفعل عمر بن الخطاب الذي قال لما غرَّب رجلًا فلحق بالروم: لا أغرب مسلمًا بعدها أبدًا[12].
3. قسمه صلى الله عليه وسلم أرض خيبر بين الفاتحين:
فقد رجَّح الدكتور أنه تصرف بوصف الإمامة، بدليل تنوع تصرفاته صلى الله عليه وسلم في مناسبات أخرى، ورفض عمر بن الخطاب قسمة أرض السواد[13].
4. منعه من ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث أيام ثم إباحته بعد ذلك:
وقد ظنَّ بعض الفقهاء أن هذه الإباحة كانت نسخًا للنهي المتقدم، وليس كذلك، بل الراجح أنه من مقتضيات السياسة الشرعية التي ترتبط بملابساتها[14].
النوع الثاني من الأمثلة التطبيقية:
هي أمثلة لم يُسبق إليها الدكتور القرضاوي على الراجح، بل استنبطها بالنظر إلى القرائن المحيطة بالتصرفات النبوية. وأكتفي منها بمثالين اثنين هما:
1. نصاب زكاة البقر:
روى البخاري في صحيحه مسندًا إلى المعرور بن سويد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “والذي نفسي بيده، أو والذي لا إله غيره، أو كما حلف: ما من رجل تكون له إبل أو بقر أو غنم لا يؤدِّي حقَّها، إلا أتى بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمنه، تطؤه بأخفافها، وتنطحه بقرونها. كلما جازت أخراها ردت عليه أولاها، حتى يقضي بين الناس”.
فالحديث نصٌّ في أن زكاة البقر واجبة، وأنذر النبي صلى الله عليه وسلم، مَن لا يؤدي هذا الحق بالعذاب الشديد يوم القيامة. وقد اتَّفق المسلمون كافة على وجوب هذه الزكاة، ولم يخالف في ذلك أحد في عصر من العصور، لكن وقع الخلاف بينهم في تحديد النصاب ومقدار الواجب فيها على أربعة أقوال:
أ- النصاب ثلاثون:
وهذا هو القول المشهور الذي أخذت به المذاهب الأربعة. وحجَّة هذا القول حديث معاذ بن جبل إذ قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى اليمن، وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقرة تبيعًا أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة[15].
وقال ابن عبد البر: (لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وإنه النصاب المجمع عليه فيها)[16].
ب- النصاب خمسون:
وهو قول أبي جعفر ابن جرير الطبري، واحتجَّ لذلك بقوله: (صح الإجماع المتيقن المقطوع به، الذي لا اختلاف فيه: أن في كل خمسين بقرة: بقرة واحدة. فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه، ولا نص في إيجابه). وبهذا الرأي أخذ ابن حزم.
ج- نصاب البقر هو نصاب الإبل:
وذهب إلى هذا القول سعيد بن المسيب ومحمد بن شهاب الزهري وأبو قلابة وغيرهم، واحتجَّ أصحاب هذا القول أساسًا بقول محمد بن عبد الرحمن: إن في كتاب صدقة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي كتاب عمر بن الخطاب: “إن البقر يؤخذ منها مثل ما يؤخذ من الإبل”[17].
د- النصاب عشر:
ذكر ابن رشد أن في كل عشر من البقر شاة إلى ثلاثين ففيها تبيع. دون أن يعين قائله، ولا ذكر دليله.
وخروجًا من الخلاف ذهب بعض العلماء إلى أن حديث معاذ القاضي بكون نصاب زكاة البقر ثلاثين تبيعًا أو تبيعة، ناسخ لغيره من الأحاديث. لكن الدكتور القرضاوي[18] رجَّح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يكون ترك بعض الأمور قصدًا في أنصبة الزكاة ومقاديرها ولم يحددها تحديدًا قاطعًا، ليوسع بذلك على أولي الأمر من المسلمين، فيختاروا لأمتهم ما يناسب المكان والزمان والحال. فقد يجد ولي الأمر في بعض البلاد وبعض الأزمنة أن البقر أعلى قيمة من الإبل، وأعظم نفعًا وأكثر درًّا ونسلًا، كما في بعض أصناف البقر العالمية المعروفة في عصرنا، فيستطيع أن يحدِّد النصاب هنا بخمس، ويوجب فيها شاة، وفي العشر شاتين، وفي العشرين أربع شياه … وأما إذا كان البقر في بعض البلاد أدنى قيمة وأقل نفعا، بحيث لا يعتبر ملك خمس أو عشر منه غنى يعتد به، فالمعقول أن يكون النصاب هنا ثلاثين كما هو الرأي المشهور. وبهذا نجمع بين مختلف الأدلة ونعمل بها كلها، باعتبارها كلها تصرفات نبوية بالإمامة تتنوع حسب الظروف وحاجات المجتمع.
2. زكاة الخيل:
عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة”. وعن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “قد عفوتُ لكم عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا صدقة الرقة، من كل أربعين درهمًا درهمًا”.
وقد استدلَّ جمهور العلماء بهذين الحديثين، بكون السنة العملية للرسول صلى الله عليه وسلم، لم تأتِ بأخذ الزكاة من الخيل، على عدم وجوب الزكاة في الخيل السائمة. وخالفهم أبو حنيفة مستدلًا بأدلة عديدة، أقواها فعل عمر بن الخطاب الذي فرض على الخيل في عهده الزكاة. فعن السائب بن سعيد قال: رأيت أبي يُقوِّم الخيل
ويدفع صدقتها إلى عمر بن الخطاب. وعن ابن شهاب الزهري: أن عثمان بن عفان كان يصدق الخيل. وأن السائب بن يزيد أخبره أنه كان يأتي عمر بن الخطاب بصدقه الخيل.
وتصرف عمر بن الخطاب هذا له دلالات مهمة في مجال التشريع. فهو يرشد إلى أن للاجتهاد والقياس مدخلًا في قضية الزكاة، وأن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة من بعض الأموال لا يمنع من أخذها مما سواها. كما يرشد إلى (أن أي مال خطير نامٍ يجب أن يكون وعاء للزكاة)[19].
لكن فعل عمر هو أيضًا قرينة على أن عدم أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الزكاة من الخيل ليس تصرفًا بالتشريع العام، بل هو تشريع لمصلحة جزئية وقتية خاصة. فهو تصرف بالإمامة، ربما كان القصد منه التشجيع على اقتناء الخيل لكونها رَكُوب المسلمين في الجهاد.
يقول القرضاوي: (ويدل على هذا لفظ: “قد عفوت لكم”. فلو لم تكن من الأموال التي تصلح للزكاة في الجملة ما قال: “قد عفوت لكم عنها”. لأن العفو والتجاوز إنما يكون فيما يستحق أن يطلب، ففيه إيماء إلى أن الأمر مفوض إليه كما قال بعض العلماء، وكذلك أئمة العدل من بعده لهم أن ينظروا في مثل زكاة الخيل على ما تقتضيه المصلحة العامة، إيجابًا أو عفوًا)[20].
ثالثًا: بين السنة والسيرة:
ومما يرتبط بهذا الموضوع ما تناوله الدكتور القرضاوي حول الفقه السياسي في كتابه (من فقه الدولة في الإسلام)، فقد أكد أن من أسباب الخطأ والاضطراب فيه: (الخلط بين السنة والسيرة في الاحتجاج؛ فالسنة مصدر للتشريع والتوجيه في الإسلام بجوار القرآن الكريم؛ والقرآن هو الأصل والأساس، والسنة هي البيان والتفسير والتطبيق)[21].
ثم يضيف الدكتور مميزًا السنة عن السيرة: (ولكن الخطأ الذي يقع فيه البعض هنا: أنه يضع السيرة موضع السنة، ويستدل بأحداث السيرة النبوية على الإلزام كما يستدل بالسنة والقرآن.
والسيرة ليست مرادفة للسنة؛ فمن السيرة ما لا يدخل في التشريع ولا صلة له به؛ ولهذا لم يدخل الأصوليون السيرة في تعريف السنة. بل قالوا: السنة ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم، من قول أو فعل أو تقرير. ولم يجعلوا منها السيرة). ثم انتقد الدكتور فئة تتخذ من السيرة (دليلًا مطلقًا على الأحكام، وتعتبرها ملزمة لكل المسلمين).
إن المسلمين مطالبون بالاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ، وَذَكَرَ اللهَ كثيرًا﴾ [الأحزاب:21]، لكن ما معنى التأسي في الآية؟
يذهب الدكتور إلى أن (اتخاذ الأسوة من سيرته: إنما يكون في الأخلاق والقيم والمواقف العامة لا في المواقف التفصيلية).
فليس من الضروري أن نقتدي به بالبدء بالدعوة سرًّا، إذا كان الجهر ميسورًا ومأذونًا به. وليس من الضروري أن نهاجر كما هاجر، إذا لم يكن لدينا ضرورة للهجرة، بأن كنا آمنين في أوطاننا، متمكنين من تبليغ دعوتنا. ولهذا لم تعد الهجرة إلى المدينة فرضًا على كل مسلم بعد فتح مكة كما كانت من قبل، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا”[22]. أي لا هجرة إلى المدينة، وإن بقيت الهجرة من كل أرض لا يتمكن المسلم من إقامة دينه فيها.
وليس من الضروري أن نطلب النصرة من أصحاب السلطة والقوة كما طلبها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، من بعض القبائل فاستجاب له الأوس والخزرج؛ إذ لم يعد ذلك أسلوبًا مجديًا في عصرنا.
وليس من الضروري أن نظلَّ ثلاثة عشر عامًا نغرس العقيدة وندعو إليها؛ لأننا اليوم نعيش بين مسلمين يؤمنون بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليسوا محتاجين إلى أن نعلمهم العقيدة في مثل هذه المدة.
هذه أهم الأمثلة التي ساقها الدكتور من السيرة، والتي لا يكون الاقتداء فيها بالرسول عليه السلام إلا في المنهج والمبادئ العامة والمقاصد الكبرى، أما الوسائل
فليست إلا اجتهادًا مؤقتًا لتحقيق مصالح مؤقتة. ورأينا أن هذه ينطبق عليها أيضًا وصف التصرفات النبوية بالإمامة، فهي كما يقول ابن قيم الجوزية بأنها (سياسة جزئية بحسب المصلحة، يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة)[23]. وأنها (مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال)[24].
خاتمة:
ليس المقصود من هذه الإطلالة على إسهام الدكتور القرضاوي في تصنيف التصرفات النبوية، استيعاب ما كتبه حول الموضوع، فذلك متعذِّر؛ لأن مادته غزيرة ومتفرقة في عدد من بحوثه ومؤلفاته، لكن المقصود هو التدليل على أنه أسهم بشكل كبير في إحياء هذا الفقه، وتبسيطه، ونشره، والتوعية به. كما أضاف إضافات نوعية على المستوى النظري وعلى المستوى التطبيقي.
شكر الله لدكتورنا الفاضل جهوده في الدعوة إلى المدرسة الوسطية، وجزاه خيرًا عما قدم من علم وعمل وتوعية في مجالات وميادين لم يلتفت إليها إلا القلة القليلة من العلماء العاملين.
___
[*]- رئيس وزراء المملكة المغربية.
[2]- مدخل لدراسة السنة النبوية، صـ94.
[3]- حوار مع الدكتور القرضاوي ضمن كتاب: (فقه الدعوة ملامح وآفاق)، سلسلة (كتاب الأمة)، تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بقطر، العدد 19، الجزء الثاني، صـ178.
[4]- شريعة الإسلام صالحة لكل زمان ومكان، صـ114 وما بعدها.
[5]- كيف نتعامل مع السنة النبوية، صـ145.
[6]- انظر مثلا: سعد الدين العثماني: (تصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإمامة الدلالات المنهجية والتشريعية)، و(المنهج الوسط في التعامل مع السنة النبوية)، و(جهود المالكية في تصنيف التصرفات النبوية).
[7]- رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة وغيرهم.
[8]- أخرجه مالك في الموطأ.
[9]- نيل الأوطار، ج8/218.
[10]- مجموع الفتاوى، ج19/253.
[11]- شريعة الإسلام، صـ123.
[12]- نفسه، صـ124.
[13]- نفسه، نفس الصفحة.
[14]- نفسه، 125 – 126.
[15]- المحلي: 6/7-8.
[16]- نفسه: 6/4.
23- رسوخ الأحبار، ص335-338.
[18]- فقه الزكاة، ج1/193 وما بعده.
[19]- فقه الزكاة، 1/229.
[20]- نفسه، 1/232.
[21]- من فقه الدولة في الإسلام، صـ85 وما بعدها.
[22]- متفق عليه وهو مروي عن عدد من الصحابة.
[23]- الطرق الحكمية، صـ18.
[24]- زاد المعاد، 3 صـ490.

التعليقات مغلقة.