الانتفاضة // الاستاذ // هشام الدكاني
في مدينة مراكش ، تلك اللوحة الفنية التي تجمع بين التاريخ والثقافة والجمال ، ظهرت ظاهرة تثير السخرية والقلق في آن واحد ، ألا وهي «الصحافة الصفراء» أو مايعرف ب«الأقلام أو الأبواق المأجورة» ليست مجرد ظاهرة عابرة ، بل نظام متكامل يخلط بين الصحافة والولاء الأعمى ، وبين الكلمة والإكرامية.. حيث أضحت بعض الأقلام (المصنطحة) أدوات لخدمة مصالح محددة (…) بدل أن تكون صوتا للحقيقة!
هذا المشهد المسرحي الذي تفوح منه رائحة المال والولاءات ، لم تعد فيه الصحافة تنقل الحقيقة ، بل باتت سلاحا يستخدم للتلميع أو التشويه حسب الطلب.. وهنا يظهر نوع جديد من الصحفيين الذين لا يكتفون ببيع خدماتهم لرجال الأعمال وأصحاب المشاريع ، بل يربطون ولاءهم بـالسلطة وأعوانها ، ليصبحوا أذرعا غير رسمية تسعى لتزيين الصورة أو إخفاء العيوب..
في هذه العلاقة ، يتحول الصحفي إلى «مُخبر راقٍ» أو «كاتب خطب مطورة» ، حيث يتلقى الإكراميات وأخواتها ، مقابل تقديم خدمات إعلامية تسلط الضوء على الإنجازات الصغيرة وتغض الطرف عن الإخفاقات الكبيرة..
كل ذلك ، مقابل دعوات لحضور مناسبات رسمية ؛ وصول إلى معلومات حصرية ؛ وحتى مكافآت مالية سرية تقدم من تحتها..
بالإضافة إلى بعض التسهيلات الإدارية ، وتجاوز لبعض القوانين مع وعود بفرص عمل لأفراد العائلة والمقربين والأحباب والخلان والجيران.. واللائحة طويلة…
وبدلا من أن يكون الصحفي رقيبا على السلطة وأدواتها ، أصبح جزءا من المنظومة ، يغني أغنية السلطة بصوت عال كلما طلب منه ذلك ، وعندما يثم حصره ، يبدأ بمطلع أغنية( بتلوموني ليه..).
حقا ، هزلت مع كامل الأسى والأسف.
مما جعل البعض من رجال وأعوان السلطة يجد في الصحافة المأجورة وسيلة لتلميع صورتهم أمام الرأي العام ، وهم يدركون جيدا أن الكلمة المكتوبة والصورة المنشورة قادرة على تغيير الإنطباعات ، لذا يستغلون هؤلاء الأبواق لخدمة أجنداتهم المسمومة مقابل أغراض مذمومة..
إذا حدث خطأ إداري أو سوء تسيير ، تجد العناوين مشيدة بجهود رجل السلطة الحكيم!
وإذا اشتكى المواطنون من مشكل ، يصبح المقال الصحفي حكاية عن مجهودات كبيرة قيد التنفيذ!!
والطريف ، أن بعض الصحفيين يبدعون في هذه المهمة ، فيحولون أي ٱنتقاد إلى قصة نجاح ، وأي تقصير إلى خطوة في طريق الإنجاز!!!
إن هذا التداخل بين الصحافة والسلطة ، يشكل خطرا كبيرا على مبدأ ٱستقلالية الإعلام.
فالصحفي المأجور ، سواء كان يخدم رجال الأعمال أو رجال السلطة ، لا يمثل صوت الشعب ، بل يصبح أداة تكرّس الهيمنة وتبعد المواطن عن الحقيقة.
ولمواجهة هذه الآفة ، يحب علينا:
1- تعزيز ثقافة الصحافة المستقلة:
يجب دعم الصحفيين الحقيقيين الذين يضعون المصداقية فوق المصالح الشخصية.
2- محاسبة الأطراف المتورطة:
سواء كانوا صحفيين ، رجال أعمال ، رجال سلطة أو غيرهم ، يجب تطبيق قوانين صارمة لمعاقبة المتواطئين.
3- توعية المواطن:
عندما يكون الجمهور واعيا ومدركا للعبة المصالح ، يصبح من الصعب خداعه بالعناوين اللامعة والبراقة.
يبدو أن الضمير المهني هو البطل المفقود في بعض أقلام المدينة الحمراء (كنموذج) ، وبين أزقتها التاريخية ، تضيع أصوات الحقيقة وسط ضجيج المصالح.. الصحفي الذي كان يجب أن يكون العين التي ترى واللسان الذي ينطق ، أصبح أداة تخدم المال أو السلطة!
ومع ذلك ، يبقى الأمل في الصحافة النزيهة ، التي ترفض بيع أقلامها وضمائرها ، ليكونوا صوت الشعب الحقيقي.. لا صدى المصالح.
أما أولئك الذين يتنافسون على الإكراميات والخدمات ، فعليهم أن يدركوا أن ولاءهم لن يخلدهم في صفحات التاريخ ، بل سيصنفهم كفصل صغير ومذموم في كتاب «النفاق الإعلامي».
التعليقات مغلقة.