رحلة في سيكولوجية التفاهة.. من عمق الوعي إلى ضحالة السوشيال ميديا

الانتفاضة // المصطفى بعدو
تتعدد زوايا النظر إلى المعرفة الحقيقية او التعريف الخاص للتفاهة ، حيث يمكن تعريفها بشكل مبسط بأنها حالة من الفراغ الفكري والعاطفي، وعدم القدرة على التفكير النقدي، والانشغال بالأمور السطحية والتافهة، تعتبر من الظواهر المعقدة التي تشغل بال الفلاسفة والعلماء الاجتماعيين والنفسانيين،فهي تتجاوز كونها مجرد صفة شخصية، بل تتجذر في بنية المجتمعات وتأثرها بالثقافة والإعلام والتكنولوجيا،
ويخشى الكثير من الناس مواجهة الأفكار المعقدة والمشاعر العميقة، فيلجأون إلى التفاهة كآلية دفاعية، وقد يؤدي ذلك إلى تبني قيم ومعتقدات جماعية سطحية، و تلعب وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في تشكيل الرأي العام، وقد تساهم في نشر قيم التفاهة والسطحية ، نهيك عن أن الضغوط اليومية الشخصية و المهنية قد تساهم او تؤدي إلى إرهاق ذهني وعاطفي، مما يجعل الفرد يميل إلى الهروب إلى عالم من التسلية والترفيه السهل، وينصب اهتمام الشخص المتصف بالتفاهة على ذاته ومظهره، ويتجاهل احتياجات الآخرين، ويخشى التغيير والتجديد، ويميل إلى التمسك بالأفكار والمعتقدات التقليدية، ويهرب من تحمل المسؤولية عن أفعاله وأقواله ويميل إلى إلقاء اللوم على الآخرين، وهذا النوع او هذه النوعية من الأشخاص بكلا جنسيه يسهل السيطرة عليه والتحكم فيه، فهو بطبعه أصبح يتفادى قساوة التفكير الجاد ويبحث عن قضايا سهلة الهضم ، كما ان المفكر البولندي زيجمونت بومان في كتابه “الحب السائل” وصف هذه الحالة او ب”الإنسان بلا روابط”، فما دام بلا روابط حقيقية وقوية يستعصي قطعها، فمن البديهي أن نجده غارقًا في متاهات الاستهلاك السريع والمتعة اللحظية. فغياب الروابط العميقة يولد فراغًا داخليًا يدفعه إلى البحث عن ملء هذا الفراغ بأي شيء، حتى لو كان تافهاً أو مؤقتًا، فتصبح العلاقات الإنسانية قابلة للتبديل والاستبدال كأي سلعة في السوق، والحب نفسه يتحول إلى تجربة استهلاكية عابرة، فمع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية وعلى والشبكات الاجتماعية، يصبح منغمسًا كليا في عالم افتراضي، مما يؤدي به الى عزلة حقيقية عن الآخرين وتقويض الروابط الاجتماعية، التي يعتمد بناءها اولا وأخيرا على الأسرة الصحية او التقليدية، حيث تستولي الفردية او الأنانية ذات القطب الاحادي، مما يدفع بالشخص من الالتزام بالعلاقات طويلة الأمد، مفضلاً الحرية الفردية على الاستقرار العاطفي، و تساهم الثقافة الاستهلاكية في تشكيل قيم وأولويات هذا النوع من البشر ، حيث يتم التركيز على المظاهر الخارجية والمتعة الفورية بدلاً من القيم الجوهرية.

التعليقات مغلقة.