الانتفاضة // النقيب محمد زيان // وزير حقوق الانسان السابق
أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخميس، مذكرتيْ اعتقالَ بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» ووزير الدفاع السابق «يوآف غالانت»، وقالت إن هناك «أسبابا منطقية» للاعتقاد بأنهما ارتكبَا جرائمَ حربٍ وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، إنه نصر وانتصار كبير للقضية الفلسطينية.
بهذه المناسبة الفريدة، يجب ملاحظة أن أُولَى المحاكمات الجنائية الدولية والمعروفة باسم محاكمات «نورمبرغ» كانت نقطة بداية لإعطاء الشرعية لمشروع الوطن القومي اليهودي الذي سيُصبِح فيما بعد دولة إسرائيل.
المحكمة الجنائية الدولية الحالية أصدرت مذكرةَ اعتقالٍ في حق المسؤول الأول عن هذه الدولة التي تم تأسيسها بفضلِ القوانين والقرارات الدوليَة، ومتابعةُ هذه الدولة اليوم تم بناء على المبدإ الذي أسِّسَتْ لأجله، وهو نفس المبدإ الذي حُوكم على أساسه مسؤولون نازيون عام 1946، مما يعتبر دليلاً قاطِعًا على حياد قضاة هذه المحكمة.
المتابعة في حق المسؤول الأول لإسرائيل أو لوزير دِفاعه لم تتم من أجل جرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة لكن من أجل جرائم حربٍ وكُثُرٌ هُم الذين يُؤَاخِذُون هذه المحكمة نتيجة هذا القرار عكسي تمامًا حيث أحيِّي عاليًا ذكاءَ القضاة الضامنين للشرعية الدولية، وذلك لسبَبَيْن رئيسِيَين:
أولهما، أنه عندما انحصرت المتابعة في جرائم الحرب، فإن المحكمة الجنائية الدولية ارتكزت على سيِّد الأدلة المعترف به كونِيًا، وهو الاعتراف التلقائي العلني ودون أي ضغط أو إكراهٍ مُورِسَ على نتنياهو أو غالانت اللذين سبق وصرَّحا بأن القوات المسلحة الإسرائيلية ستستمر في قصف المدنيين وستمنع وصول المساعدات إلى قطاع غزة، كما أنها لن تتردد في إطلاق النار على المدنِيِين العُزَّل إذا تطلب الأمر ذلك. فنتنياهو ووزير دِفاعه غالانت ظَلَّا طيلة هذا العام 2024، يعبِّران صَرَاحَة بأنهما يقصفان المستشفيات ومخيمات اللاجئين وكانا يأْمُرَانِ القوات المسلحة الإسرائيلية بالاستمرار في هاته الأعمال الإجرامية، وهذا دليلٌ ثانٍ على حيادِ المحكمة الجنائية الدولية، عكس ما وقع في محاكمات عام 1946 حيث حاول النازيون مِراراً باستثناءِ واحدٍ منهم، إنكار عِلْمِهِم بوجود ما يسمى بـ«المِحرقة».
وثانيهما، كون الوصف الذي أسْبَغَتْه المحكمة الجنائية الدولية وهو «جناياتُ حربٍ» غاية في الأهمية، إذ أن للجنايات انعكاسان مهمان:
يكمن الأول في تركِ البابِ مفتوحًا للمشاركين فيها، إذ من المعروف في جميع قوانين العالم أن منح الأدوات والوسائل لارتكاب جناية يُعتبر مشاركةً فيها، وفي نازلة الحال فإن وسائل الجريمة ليست هي فقط الأسلحة بل أيضا توفير المأوى للمجرم أو الاجتماع به أو تسهيل مرور الأسلحة، وأتمنى صادقا أن تستمر الجنائية الدولية وألاَّ تتوقف عند دولةِ إسرائيل وإنما تُقِرَّ المتابعة في حق شركائها في هذه الجرائم.
فيما يكمن الانعكاس الثاني في استمرار الدول بالاعتراف بإسرائيل كدولة، وهو شيء خطير للغاية، فإذا لم يُسَلِّم الإسرائيليون المجرمَ المشتبَه فيه الذي يتمتع إلى حدودِ الآن بقرينة البراءة، فإن كل دولةٍ تستمر في الاعتراف بمجرمٍ مفترض أو الدفاع عنه تضمن متابعتها من أجل الإشادة بالجريمة، الشيء الذي يسري على جميعَ الشركاءِ، فالقانون الدولي العام يمنع أي نوعٍ من العلاقة بمجرمِي الحرب.
ختاماً، إن الأكيد والمُؤَكد أن قرارَ قُضاة المحكمة الجنائية الدولية هو انتصار للشعب الفلسطيني أولا وقبل كل شيءٍ، فالمحكمة فرضت رأيها وقامت بمهمتها وهي على عِلمٍ بأن أمريكا لا تقبل هذا الأمر بالاعتقال، كما أنها كانت واعيةً تمام الوعي بذلك وهي تقول عبر هذا القرار إن الشرعية الدولية انتصرت على العلاقات الدولية ضاربة عرض الحائط أسطوانة: «كلنا إسرائيليون».
التعليقات مغلقة.