الحقد الاديولوجي

الانتفاضة // ايوب الرضواني

أيام قليلة بعد تخفيض الحكومة ميزانية (الهيئة الوطنية للنزاهة ومحاربة الرشوة والوقاية منها) بـ 6 مليارات سنتيم عقابا لها على آخر تقرير وصفت فيه عجز وتكاسل (أكوا حكومة) في محاربة الفساد، خرج محمد أوجار – القيادي في حزب الحمامة الزرقاء – مُنتقدا احتكار اليساريين لمؤسسات الحكامة، مُتهما إياهم بتصريف “حقدهم الأيديولوجي” عبر تقارير مؤسساتهم ضدا في الحكومة.

بخبرتك الكبيرة ومسيرتك المهنية الحافلة (سيد أوجار) أنت تعلم علم اليقين أنه في المغرب لا أهمية ليسار ولا ليمين ولا لوسط، هذا إن وجدوا. لا نملك نُخبا “مُؤدلجة” تتحرك في الواقع المعيش وفق تصورات فكرية أو عقائدية. المُتوفر في السوق نُخبٌ وظيفية، تؤدي مهام مُحددة في ظروف زمنية محدودة. نُخب تسد الثقوب، وتملأ الفراغ بما يُناسب الماسكين بزمام الأمور.

زعماء اليسار، أو من يُسمون ويعتقدون أنفسهم كذاك، أكثرهم أكادميون باحثون، مثاليون حالمون بالدولة النزيهة، العدالة الاجتماعية، المؤسسات والتوزيع العادل للثورة…لذلك، دأب أصحاب الحال على منحهم مسؤوليات مؤسسات الحكامة (الرَّصد والرَّقابة)، مع علم الجميع أن تقارير تلك الهيئات لا تُساوي مجهود النَّقر على لوحة المفاتيح الذي دُوِّنت به!

وكما العادة، الكل مستفيد: اليساريون خدّامين بأجور خيالية يُمارسون هواياتهم في عالم موازٍ من أرقام وجداول، والدولة العميقة تصنع لهم مُتنفسا كما لباقي أنواع النخب. مع توفير قاعدة معلومات حسب المعايير الدولية، تُقدم للمؤسسات المانحة لنبدو للعالم دولة حديثة بمتطلبات القرن 21.

الأحزاب الإدارية (وليست اليمينية) انتهازية وصولية تعرف من أين تُؤكل الكتف واقعيا بعيدا عن الأحلام الفلسفية، يُمنحون الحكومة (وليست السلطة!) فعليا كما في القطاعات الحيوية في عهد الثنائي (سعد/ عبد الإله) أو كليا كما في عصر رجل المحروقات، لتفريغ قرارات الأعلى، وامتصاص غضبات الأسفل، مع الفوز بجزء من الكعكة.

هكذا هي الدولة المغربية من قديم الأزل، تتلاعب بالنُّخب بما يخدم المصالح المعلومة، فترى الاشتراكي يبيع مؤسسات الشعب والمُحافظ يُنازع سلطات الرئيس (ولو شفويا)؛ المهم أن لا شيء في هذه البلاد السعيدة يسير حسب “دفتر الإرشادات” أ سّي محمد.

في دولة كالمغرب، يا سيد أوجار، تُدبِّر النُّدرة ولا تخلق الثروة، لا مجال للحديث عن يمين ولا عن يسار، حتى وأنت تُحاول استغلال كونك أحد أندر الكفاءات داخل الحزب الأزرق، لتستعمل توصيفات أكاديمية للدفاع عن “تشكيل” انتهازي، بلا طعم ولا لون وبفضائح وإخفاقات تُزكِم الأنوف.

الكل مُتحد للوصول لهدف واحد: الحفاظ على وضع قائم على توازن الضعف: حكومة بلا صلاحيات، مؤسسات رقابة بلا أظافر، معارضة ضعيفة مفككة، وشعب يُدبر مواردا أقل من حاجياته، وهو التعريف الحقيقي للفقر.

المشكل في هذا الوطن سياسي وليس تقني. المُعضلة في الطريقة التي تُدار بها الأمور، وليست في طبيعة الأشخاص الذين يُديرونها.

وما دمنا لم نجرؤ على حل المشكل من أساسه ونكتفي بالدوران حوله، سيبقى الوضع كما هو عليه: قلة قليلة تحتكر الثروة والسلطة، شعارها الأبدي: الغاية تُبرر الكميلة.
وللقصة بقية….

التعليقات مغلقة.