الانتفاضة // عبد الواحد الطالبي
لن يكون اغتيال اسماعيل هنية في طهران آخر حلقة في سلسلة الاغتيالات التي تلاحق قادة ورموز المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني في سبيل تحرير أرض فلسطين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، ولن يتحقق لمجرمي الاغتيالات السياسية في حق الفلسطينيين، مهما واصلوا إجرامهم، أهداف تصفية القضية وضمان أمن إسرائيل وسلامة المستوطنين الصهاينة.
وسبقت جريمة الاغتيال المدان لرئيس المكتب السياسي السابق لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، عمليات استشهد فيها قادة من كل فصائل المقاومة داخل الأرض المحتلة وفي الخارج استعملت فيها كل وسائل القتل غير الرحيم في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية وللقانون الإنساني وفي خرق سافر للأعراف الدبلوماسية والقانون الدولي لاحترام السيادة الوطنية للدول، وكل ذلك ما زاد الفلسطينيين سوى الإصرار المكين على النضال والجهاد بروح الوفاء للشهداء من أجل فلسطين حرة.
وإذا كان مفيدا في الوقت الراهن للداخل الإسرائيلي ونصرا لمصلحة نتينياهو في معركة الحرب الدائرة في غزة، تغييب إسماعيل هنية عن ساحة المقاومة السياسية في الميدان، فإنه فتح أبواب جهنم على الكيان الصهيوني بعواقب غير محسوبة لا سياسيا ولا عسكريا بتولي يحي السنوار زمام القيادة السياسية والعسكرية لحركة (حماس) بتصميم إغراق إسرائيل في وحل غزة.
ومع استمرار الحرب مستعرة في غزة والمعارك لم تحسمها إسرائيل بصورة تؤمن حدود كيانها وتحفظ لها صورة القوة العسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية التي لا تقهر في المنطقة، فغياب المحاور السياسي المرن سيعقد وضعية السلام المأمول، وسيجعل قرار إنهاء الحرب بغزة في قبضة الحسم العسكري الذي لن تنجح إسرائيل فيه لا قريبا ولا في أفق منظور وقد تم الزج بإيران في الحرب كطرف مباشر.
وفات إسرائيل ونتينياهو استيعاب درس المقاومة الفلسطينية التي يتنامى وعيها وتتطور أساليب الدفاع عن حقوقها وتتقوى التعبئة لديها بالالتفاف حول قيادات فصائلها التي تكتسب مع كل حرب إبادة، مناعة ذاتية واستقلالية أكبر عن القرار السياسي العربي والتخلص من التبعية للجهات الخارجية، من خلال إنتاج نخب سياسية وعسكرية ومدنية من داخل فلسطين ومن غزة على وجه الخصوص تؤطر المقاومة باستراتيجية مدروسة على أساس التكتيك الذي يقود إلى نتائج النصر الكامل حتى والمعارك مستمرة والمقاومة متواصلة.
واليوم وقد انطلقت جولة في قطر من البحث عن حلول إنقاذ ماء الوجه للعرب الذين انكشف تواطؤهم وانفضحت انهزاميتهم، ولإسرائيل التي لن يكون بمقدورها لوحدها خوض حرب إقليمية محتملة بشكل كبير ولا طاقة لها لتحمل نتائج غطرسة استمرار القتال في غزة ومواصلة أعمال الإبادة والتهجير في حق سكان القطاع العزل، سبقت إلى طاولة المفاوضين والمبعوثين رسالة السنوار وحركة حماس تحت قيادته أنه لا نقاش سوى على آليات تنفيذ اتفاقات مقترحات الرئيس الأمريكي جو بايدن.
ويكون السنوار بهذه الرسالة المشفرة رمى بقطعة اللحم لسنده الأكبر إيران التي تتربص وتتحين الرد بصيغة جعل المجتمع الإسرائيلي وساسته يعاني نفسيا من حرب توقع توقيتها وشكلها وقوتها وآثارها…، وضغط على رئتي نتينياهو بكامل قوته التي دفع بها إلى تفاوض لم يعد يهمه فيه وقف إطلاق النار قدر اهتمامه بإعلان هزيمة إسرائيل في المعركة الثانية لحرب 7 أكتوبر التي ألقت فيها الحكومة الإسرائيلية بآلاف الجنود اليهود في أتون الدماء والأشلاء دون تحقيق النصر الموعود ودمرت الاقتصاد الاسرائيلي الذي سيعاني من آثار أطول وأقسى حرب خاضتها دولة الكيان الصهيوني.
ولم تبق الفرص كما كانت من قبل اليوم متاحة لتفادي الحرب في جبهات لبنان والجولان وخليج عدن وفي البحر الأحمر وسيناء بالمواجهات المفتوحة المباشرة مع حزب الله والحوثي والحرس الجمهوري وقوات أخرى للصفوية وللمقاومة الفلسطينية، بعد إذ تيقن السنوار من ارتهاب إسرائيل من ردة فعل إيران والتحالف الإقليمي ضدها وهي الورقة التي سيلعب بها مفاوضو حماس في الجولة التي منح نتينياهو برضوخ صلاحيات أكبر لمبعوثيه الذين سيخنق السنوار أنفاسهم حتى يتزودوا من رئيس حكومتهم بما ينعشهم ليعطوا حركة حماس ما تريد وقد جاءتها فرصة المناورة بالاستنفار العسكري الدولي والاقليمي لحرب تسعى الدبلوماسية لتجنبها في الشرق الاوسط والخليج.
ولأنه لن يكون لإسرائيل ما تتمنى في إنهاء سلطة حماس في غزة بل وفي الضفة وكل فلسطين وخلق نظام موالاة عشائري في ظل تعميق إرث العداء والخصومة لإسرائيل بسبب توريث الأحقاد لدى الشعب الفلسطيني نتيجة حرب الإبادة، فإن النصر المطلق لنتنياهو وحكومته إن لم يكن مستحيلا فهو أشبه بالمستحيل فيما يلوح نصر حركة حماس بهزم جيوش إسرائيل وحلفائها وتوعد الصهاينة بجيل جديد من المقاومة لا يتذكر أبطاله سوى مشاهد القتل والدمار والتهجير التي عليهم الثأر لها من مجرمي الإبادة وخلفائهم.
التعليقات مغلقة.