أنماط التفاعل اللغوي في الخطاب الأسري

الانتفاضة: الكوتش الأسري عبد اللطيف سندباد

بقدر ما تكون اللغة أداة تواصل وتفاهم بين أفراد وحدة الأسرة، بقدر ما تكون عائقا في وجه التواصل، وقد لا تسعف اللغة أحيانا على التعبير عن أفكار الأفراد ومشاعرهم الداخليةوكذا سلوكاتهم، الأمر الذي يؤدي الى نشوب الخلافات الأسرية واشتدادها، غير أن الفهم الجيد لأنواع التفاعل، والتدريب على الاستراتيجيات الاتصالية الممكنة، وإرساء قيم التفاوض، والقابلية للتكيف، والتقبل للأدوار التي تسنها الأسرة، تفيد بشكل كبير عملية التواصل الفعال بين أفرادها، خصوصا وأن الخطاب الأسري يتم بناء قواعده من قبل أفراد الأسرة، كل بشخصه وبصفته وموقعه داخل الهرم الأسري. وبهذا يرتبط الخطاب الأسري بالخطاب الاجتماعي خاصة، ويتقاطع مع العديد من الحقول المعرفية، وينزع الى الالتقائية مع باقي العلوم الإنسانية كالتحليل النفسي وعلم اللغة وعلم الاجتماع والمنطق والأنثروبولوجيا والاعلام والتواصل …ومن ثم كان الخطاب الأسري لا يستقر على تحديد معين، إذ غالبا ما نجده يتشابك مع لسانيات النص ومنظور تحليل الخطاب وتأويله وبالتالي إحداث السلوكات الممكنة.

يعتمد الأفراد داخل وحدة الأسرة على عناصر لغوية وعناصر غير لغوية في تكوينهم لنصوص الخطاب على المستوى النحوي والدلالي والتداولى بالمفهوم الواسع له لتحقيق أغراضهم ومقاصدهم، وكذا تفسير مختلف السلوكات والميولات والاتجاهات والأنماط اللغوية بطرق إبداعية خاصة، ووفقا للملابسات والسياقات الخارجية والمستويات الاتصالية والتداولية التي تحقق كلية النصوص المنتجة. ومن ثم كان فهم الخطاب الأسري لا ينفلت عن فهم معاييره من قبل المتلقي سواء أكان داخل الأسرة أم خارجها، وما يجعل من الخطاب خطابا هو مدى تماسك علاماته اللغوية السطحية، وانسجام فاعليته، وتعبيره عن حاجيات محددة،ومقبوليته من المتلقي، وإخباريته بمعلومات، وتعالقه مع موقف ما،وتداخله أو تناصه مع نصوص أخرى. إن تفاعلا بهذه المعايير السبعة التي تحدث عنها كل من الباحثين في تحليل الخطاب Dressler & Beaugrande  ينطبقان  بتفاوت على مختلف أنواع الأسر والمراحل التي تمر منها، وكلما راعى أحد أفراد هذه المعايير في تفاعله، كلما تحققت وظيفية الأسرة، وارتفع منسوب الاقتدار على التكيف مع الأحداث، والقدرة على التفاوض بشأن الخلافات، وتحقيق الرضا، والسعي الى إرساء الطرد المركزي داخل الأسرة ونيل كل فرد ما يسعى إليه، وكلما وقع اختلال عن قصد أو عن غير قصد، يختل التفاعل الأسري لفائدة إنتاج أنماط سلوكية محبطة، وشعور أفراد الأسرة بالتشوش والحرمان،ومغادرة البيت الى حد التسبب في اضطرابات نفسيا وذهانيا… ومن ثم كلما كان التفاعل الأسري كممارسة خطابية تحترم نصية النصوص أي نحويته ودلاليته وتداوليته كلما كان الأسرة مستقرة وراضية ومتقبلة وملتزمة...

وغالبا مشكلات الأسر، وأمراض العائلات، والانتكاسات المعيشة، تكون ناتجة عن الانحرافات التفاعلية بين الأفراد،ودرجات التواصل، وأشكال النصوص غير المحققة لنصية الخطاب ورؤيته الكلية، إن مشكلات الأسر ليست سوى اللغة، أي نظام العلامات المتفاعل بها داخل سياق الأسرة، وليست في حد ذاتها، بل في طبيعة النظام (مثالي، ملائم، صارم، فوضوي، مختل)، فالرجل عندما عند ما يتوجه نحو السيطرة الهرمية، ويهيمن على الخطاب داخل وحدة الأسرة، فإن ممارسته اللغوية تعكس وضعه المتسلط، في حين يتم تهميش المرأة والأبناء. ويمكن إجراء القول أن نمط التفاعل اللغوي المستخدم داخل سياق الأسرة يعكس طبيعة الوضع الأسري ويعززه، كما أن طبيعة أساليب المحادثة الأسرية وأهدافها بين الرجل والمرأة والأبناء تكشف عن الاختلافات المحتملة لأنماط التفاعل السائدة ومدى تبجيل الحدود وعيش الحميمية والاحترام والمودة والأمان أو السيطرة والعدوان السائد داخل البيئة الأسرية، وبنهج نمط التفاعل التعاوني، وتنسيق الجهود بين أفراد الأسرة، والبناء المشترك للأدوار والهويات وتفسير المعنى والتفاوض بشأنه من خلال السياق تتحقق نصية الخطاب، ويعاد الاعتبار للأسرة في اللغة المستخدمة، والى الظروف التي نشأت فيها، وحركية مراحل حيتها وتفاعلها مع أفرادها ومحيطها العام .

التعليقات مغلقة.