عن عدم جدوى تمثيلية الجمعيات في المجلس الوطني للصحافة

الانتفاضة // احمد الدافري

في أواخر عهد حكومة عبد الإله بنكيران، صدر الظهير الشريف رقم 1.16.24 في 30 جمادى الأولى 1437 الموافق ليوم 10 مارس 2016، بتنفيذ القانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة.

هذا القانون صدر بالجريدة الرسمية بتاريخ 17 أبريل 2016، وكان حينها مصطفى الخلفي وزيرا للاتصال ناطقا رسميا باسم الحكومة الذي وصف القانون بأنه إنجاز هام للحكومة.

قانون إحداث المجلس الوطني للصحافة، خرج من خيمته مائلا.
كان ينبغي أن يتم الانتباه فيه إلى مادة، كانت تحتاج إلى مراجعة، قبل إقرار القانون.

الأمر يتعلق بالمادة الرابعة من هذا القانون، التي تنص على أن  المجلس الوطني للصحافة يتكون من 21 عضوا، منهم 7 أعضاء ينتخبهم الصحافيون مع مراعاة تمثيلية مختلف أصناف الصحافة والإعلام، (وهذا أمر عادي وطبيعي بل هو واجب ولا اعتراض عليه)، ومنهم أيضا 7 أعضاء ينتخبهم ناشرو الصحف (وهذا كذلك أمر عادي وطبيعي وهو واجب ولا اعتراض عليه)، ومنهم أخيرا 7 أعضاء فيهم ممثلون لهيئات ومجالس وجمعيات، وهنا يكمن المشكل، وتتجلى الغرابة، وهي غرابة حتى لو أن القانون أراد أن يزيلها بالإشارة إلى أن هؤلاء الأعضاء السبعة الأخيرين يُشترط فيهم أن تكون لهم خبرة في مجال الصحافة والإعلام، لكن تبقى الغرابة قائمة، ويبدو كأن القانون أراد أن يمنح امتيازا لبعض الأسماء ممن يزاوجون بين العمل الصحفي وبين الانتماء إلى جمعيات معينة، ويكاد يُفهم بأن الغرض هو أن يتم الدفع ببعضهم في اتجاه الحصول على عضوية المجلس الوطني للصحافة، حتى ولو كان هناك نشاز قانوني معيب في الأمر.
قانون المجلس الوطني للصحافة المذكور ينص أن يكون من بين هؤلاء الأعضاء السبعة الأخيرين، ممثل عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية.

المجلس الأعلى للسلطة القضائية هو مؤسسة دستورية، يمثل سلطة يحددها الدستور المغربي في الفصل 107 :
“السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.
الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية”.
و المادة 3  من القانون التنظيمي رقم 13.100 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية تقول :

“طبقا لأحكام الفصل 56 من الدستور، يرأس الملك المجلس الأعلى للسلطة القضائية”.
إذن لا اعتراض نهائيا على أن يكون من بين أعضاء المجلس الوطني للصحافة ممثل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي يرأسه الملك، بل هذا واجب، بحكم أن القضاء هو الفيصل في كل الخلافات داخل كل البلدان الديمقراطية.
الممثلون الآخرون من بين الأعضاء السبعة الأخيرين المذكورين في قانون المجلس الوطني للصحافة هم :

– ممثل عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان.
– ممثل عن المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية.
– ممثل عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
– ممثل عن اتحاد كتاب المغرب.
– ناشر سابق تعينه هيأة الناشربن الأكثر تمثيلية.
– صحافي شرفي تعينه نقابة الصحافيين الأكثر تمثيلية.

أن يكون ضمن المجلس الوطني للصحافة ناشر سابق أو صحافي شرفي، لا مشكلة على الإطلاق.

لكن أن يكون هناك ممثلون عن المجالس الدستورية إلى جانب الجمعيات المذكورة أعلاه زيادة على ممثل المجلس الأعلى للسلطة القضائية، فهنا تكمن اللخبطة ويحضر الارتباك والنشاز، ويختلط الحق بالباطل.

كيف ذلك؟

المجلس الوطني لحقوق الإنسان هو مؤسسة تم إحداثها بمقتضى الظهير الشريف رقم 1.11.19 الصادر في فاتح مارس 2011.
وكان قد صدر الظهير الشريف رقم 1.18.17  في 5 جمادى الآخرة 1439 الموافق ليوم 22 فبراير 2018 بتنفيذ القانون رقم 76.15 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، أي قبل حوالي شهرين من صدور قانون المجلس الوطني للصحافة .
الأمين العام لهذا المجلس وأعضاؤه ورؤساء لجانه الجهوية يعينون بمقتضى ظهير شريف، وتصدر أسماؤهم في الجريدة الرسمية.
ثم إن هذا المجلس هو مؤسسة دستورية، حيث تنص المادة 161 من دستور المملكة المغربية الصادر سنة 2011 على أن “المجلس الوطني لحقوق الانسان مؤسسة وطنية تعددية ومستقلة، تتولى النظر في جميع القضايا المتعلقة بالدفاع عن حقوق الانسان والحريات وحمايتها، وبضمان ممارستها الكاملة والنهوض بها، وبصيانة كرامة وحقوق وحريات المواطنات والمواطنين أفرادا وجماعات، وذلك في نطاق الحرص التام على احترام المرجعيات الوطنية والكونية في هذا المجال”.

لا اعتراض إذن على أن يكون هذا المجلس طرفا في تنظيم مهنة الصحافة و الإعلام، صيانة للحقوق والحريات.

المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية هو أيضا مؤسسة دستورية بمقتضى الفصل الخامس من الدستور المغربي الذي ينص على :
“يُحدَث مجلس وطني للغات والثقافة المغربية، مهمته، على وجه الخصوص، حماية وتنمية اللغتين العربية والأمازيغية، ومختلف التعبيرات الثقافية المغربية باعتبارها تراثا أصيلا وإبداعا معاصرا. ويضم كل المؤسسات المعنية بهذه المجالات. ويحدد قانون تنظيمي صلاحياته وتركيبَته وكيفيات سيره.”

والملاحظ أن المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية هو مؤسسة دستورية مؤطرة بالقانون التنظيمي رقم 16.04 المنفذ بمقتضى الظهير الشريف رقم34.20.1 الصادر في 5 شعبان 1441 الموافق ليوم 30 مارس2020.
وقد تم تنفيذ هذا القانون في الحكومة التي كان يرأسها سعد الدين العثماني، أي بعد حوالي سنتين من إحداث المجلس الوطني للصحافة، ورئيس المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية يتم تعيينه بظهير شريف.

حسب المادة 2 من القانون التنظيمي لهذا المجلس :  “يعُتبر مؤسسة دستورية وطنية مستقلة مرجعية في مجال السياسة اللغوية والثقافية، وشخصا اعتباريا من أشخاص القانون العام”.

إذن لا اعتراض على أن يكون له ممثل في المجلس الوطني للصحافة حرصا على صيانة اللغة، وبحكم أن اللغة هي من أسس ومقومات الصحافة والإعلام، وهي أداة لترسيخ الفكر وإبراز الهوية.
كما أن أهمية هذا المجلس تكمن أيضا في المادة 3 من قانونه التي تنص على أنه يُعهد إليه إبداء الرأي في كل قضية من القضايا التي يحيلها إليه جلالة الملك، وتنص المادة 5 منه على أن رئيس المجلس يرفع تقريرا سنويا إلى جلالة الملك حول أنشطة المجلس الوطني، ثم يوجه نسخة منه إلى رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين،وينشر في الجريدة الرسمية، وفي جميع الوسائل المتاحة.

لدينا إذن ثلاثة مجالس ممثلة في المجلس الوطني للصحافة، هي مؤسسات دستورية.
ولا اعتراض عليها، بحكم أن الدستور قد نص عليها، ولا يمكن أن يكون هناك أي صراع داخلها، حول من يكون رئيسا لها، ولا يمكن أن تكون بين أعضائها أي توترات واحتقانات لحظة انتخاب أعضائها، بحكم وجود قوانين تنظيمية لها.

لكن، بالنسبة إلى جمعية هيئات المحامين، وجمعية اتحاد كتاب المغرب، هما جمعيتان تأسستا وفق مقتضيات الظهير رقم 1.58.376 الصادر في الثالث من جمادى الأولى 1378 الموافق لتاريخ 15 نوفمبر 1958، المتعلق بتنظيم حق تأسيس الجمعيات.

ويعرف هذا الظهير الجمعية في الفصل 1 بأنها:
“هي اتفاق لتحقيق تعاون مستمر بين شخصين أو عدة أشخاص لاستخدام
معلوماتهم أو نشاطهم لغاية غير توزيع الأرباح فيما بينهم. وتجرى عليها فيما يرجع لصحتها القواعد القانونية العامة المطبقة على العقود
والالتزامات”.

وينص الفصل 3 في هذا الظهير على أن :

كل جمعية تؤسس لغاية أو لهدف غير مشروع يتنافى مع القوانين أو الآداب العامة أو قد تهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بوحدة التراب الوطني أو بالنظام الملكـي أو تدعو إلى
كافة أشكال التمييز تكون باطلة.

وينص الفصل 7 من الظهير نفسه على أنه :

تختص المحكمة الابتدائية بالنظر فـي طلب التصريح ببطلان الجمعية المنصوص عليه فـي الفصل الثالث أعلاه.
كما تختص أيضا فـي طلب حل الجمعية إذا كانت في وضعية مخالفة للقانون. وذلك سواء بطلب من كل من يعنيه الأمر أو بمبادرة من النيـابة العامة.
وللمحكمة بالرغم من كل وسائل الطعن أن تأمر ضمن الإجراءات التحفظية بإغلاق الأماكن ومنع كل اجتماع لأعضاء الجمعية.

كما ينص الفصل 33 من الظهير نفسه على أنه :
يصح أن تقام الدعاوى المتعلقة بالجمعيات والهيآت المشار إليها في ظهيرنا الشريف هذا من طرف رئيسها كيفما كانت تسميته ما عدا اذا كانت القوانين الأساسية تنص على
إحدى المقتضيات المخالفة أو الخصوصية، وكان من شأنها أن لا تعرقل سير المتابعات الزجرية ، ويصح أن تقام نفس الدعاوى على الرئيس.
وإذا ما أقيمت دعوى على جمعية ونازع رئيسها في الصفة التي أقيمت بها عليه هذه الدعوى أو تملص من ذلك بأية وسيلة من الوسائل فإن رئيس المحكمة المحالة عليها الدعوى
يصدر أمرا بتعيين وكيل في النزاع، وتصح إقامة الدعوى حينئذ على هذا الوكيل ويمكن عند الاقتضاء أن يعين للجمعية متصرف في أموال الحجز.

السؤال هو :
ما حاجة المجلس الوطني للصحافة إلى أعضاء داخلها يمثلون جمعيات يمكن أن تحدث منازعات بينهم، قد تؤدي إلى رفع الشكايات من أجل أن تفصل المحكمة في الصراعات والنزاعات حول الرئاسة أو حول مشروعية عقد المؤتمرات والجموع العامة؟

هذا ما يحدث حاليا في جمعية اتحاد كتاب المغرب،  التي تتنازع داخلها مجموعتان فيما بينهما.
مجموعة ترى أنها هي الممثلة الشرعية لاتحاد كتاب المغرب، وأخرى أرادت عقد مؤتمر استثنائي رفضته المحكمة بمقتضى دعوى استعجالية تقدم بها رئيس اتحاد كتاب المغرب الحالي.

اتحاد كتاب المغرب، وهو جمعية مغربية ذات نفع، رئيسه الحالي هو الأستاذ الناقد عبد الرحيم علام، وكان قد أصبح رئيسا لاتحاد كتاب المغرب في 24 أكتوبر 2009 ، بعد صراع كبير داخل الاتحاد نجمت عنه إقالة رئيسه السابق الأستاذ الناقد عبد الحميد عقار.

بعدها فاز الأستاذ عبد الرحيم العلام بالرئاسة مرة أخرى في المؤتمر  18 لاتحاد كتاب المغرب الذي انعقد في 09 سبتمبر 2012، ليبدأ بعض الكتاب في إصدار بيانات يرفضون فيها رئاسته للاتحاد، ووصل الأمر إلى إعلان عدد من الأعضاء انسحابهم من جمعية اتحاد كتاب المغرب في سنة 2015، ليتواصل الاحتقان داخل الجمعية، ويستمر تأخير عقد المؤتمر 19، إلى أن تم عقده يوم الجمعة 22 سبتمبر 2018 بمدينة طنجة، وهو نفس اليوم الذي جرت فيه انتخابات أعضاء المجلس الوطني للصحافة المممثلين للصحافيين المهنيين والناشرين، لكن هذا المؤتمر فشل، وعاد المتصارعون فيما بينهم  إلى ديارهم دون أن يتفقوا ولا أن ينتخبوا مكتبا تنفيذيا ولا رئيسا جديدا، وهنا يُطرح السؤال، كيف تم اختيار ممثل لاتحاد كتاب المغرب في المجلس الوطني للصحافة، في وقت لم يتم فيه عقد المؤتمر لهذه الجمعية، ولم يتم انتخاب مكتب تنفيذي جديد ولا رئيس لها؟

الجمود داخل هذه الجمعية ما زال إلى اليوم.
ست سنوات من الجمود بسبب صراعات بين أعضاء المكتب.

بعد انقضاء ولاية المجلس الوطني للصحافة في أكتوبر 2022، مددت حكومة السيد عزيز أخنوش عمل المجلس،  من خلال إقرار القانون رقم 15.23  بإحداث لجنة مؤقتة لتسيير  شؤون قطاع الصحافة والنشر، حيث صدر الظهير الشـريف رقـم 62.23.1 صـادر فــي 23 مـن محـرم 1445، الموافق ليوم 10 أغسطس 2023 ، بتنفيذ هذا القانون ، الذي ينص في مادته 9 على :
يعد المجلس الوطني للصحافة المنتهية مدة انتدابه، بموجب المرسوم بقانون رقم 770.22.2 الصادر في 9 ربيع الأول 1444( 6 أكتوبر 2022 ) بسن أحكام خاصة بالمجلس الوطني للصحافة المصادق عليه بالقانون رقم 22.53 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 18.23.1 بتاريخ 19 من رجب 1444( 10 فبراير 2023 ) مستمرا في ممارسة المهام  المخولة له بمقتضى القانون السالف ذكره رقم 13.90 إلى حين تعيين أعضاء اللجنة.

أعضاء اللجنة المؤقتة يباشرون حاليا عملهم في تسيير شؤون قطاع الصحافة والنشر لمدة سنتين، إلى أن يتم انتخاب أعضاء جدد للمجلس الوطني للصحافة.

ويبقى السؤال مطروحا قبل وصول موعد الانتخابات :.
ما حاجة المجلس الوطني للصحافة إلى أعضاء يمثلون جمعيات بعينها من بين عدد كبير جدا من الجمعيات التي تخضع في تأسيسها لظهير يسمح لجميع المواطنين بتأسيس الجمعيات؟.
وهذا ما كان.

التعليقات مغلقة.