نظام حكم اللصوص والسطو على الثروة العامة

الانتفاضة // بقلم : الاستاذ : محمد القاسمي

إحتراف السياسة يكون إما بالعيش من أجل السياسة نفسھا أو العيش منھا، حيث أن الأول يجعل السياسة عمل وظيفي يحقق له دخلا يساعده على تكاليف العيش، وھذا النوع من الأشخاص تكون غاية سعيه ھو الحفاظ على ھذا الدخل، والثاني تكون غايته أكثر معنى وعمق حيث يعتبر السياسة ھدفا في حد ذاتها، فھو يعتبر نفسه يخدم قضية وھب نفسه لھا، أو أنه يتمتع بامتلاك السلطة التي يمارسھا، حيث أنھا تحقق له توازنا مع النفس أو يعتبرھا كنوع من التميز الاجتماعي.

غير أن القائمين على الحياة السياسية عندما يكون ھمھم ھو العيش بشكل تام من أجل الانتفاع الاقتصادي من السياسة، فإن الناتج يكون بالضرورة ھو خلق نظام سياسي واقعي تصبح فيه الطبقة السياسية المسيطرة والتي تتحكم في أزرار توجيه السلطة ھي مجموعة من الأغنياء من ذوي النفوذ والثروة. وھذا النظام كما سماه ماكس فيبر ھو نظام كليبتوقراطي والذي يعني نظام حكم اللصوص، ويمكن القول أنه الوصف الدقيق لنظام سياسي يصبح من شأن تحوزه للحكم خلق تبعات خطيرة على الدولة والمجتمع، حيث ينتج الدمار والخراب والفوضى.

والملاحظ أن السياسة والتي يتم ممارستھا بالشكل الاحترافي يقتات السياسيون فيھا من السياسة نفسھا، ولھذا يكون التنافس في إبراز القوة والقدرة بين الأحزاب والزعامات السياسية في الاستحواذ والھيمنة على المال العام وموارد الدولة؛ ويمكن إيجاد الاختلاف في تدبير الحكم بين ھؤلاء الزعامات، غير أن نظام حكم اللصوصية يبقى واحدا، فيسمح داخل نظام حكم اللصوصية بالفساد وسرقة المال العام والخاص من خلال تسهيل استغلال المناصب الإدارية والسياسية من قبل القائمين على مرافق الدولة، ويعبر عن نظام حكم جوهره الفساد واللصوصية أو نهب الثروات العامة.

وأساس هذا النظام ھو قيامه على انصھار بين من يمسك السلطة السياسية وسلطة مجموعة اللصوصية التي تسطو على الثروة العامة بوسائل عديدة يتم شرعنتها، بآليات عمل حكومية رسمية عبر برامج ومشاريع وهمية وأشكال من التستر على سرقة المال العام، غير أن ھؤلاء السياسيين لا يعتبرون أنفسھم داخل نظام حكم اللصوصية، وإنما يسمون النظام السياسي بالديمقراطي، ويتبجح حكامُه بأنهم يمثلون الإرادة الشعبية، غير أن الواقع أنه نظام حكم لصوصي تكون فيه الديموقراطية ضعيفة، ويتم فيه خلق آلية لانتاج مجموعات الفساد.

وفي نظام حكم اللصوص يتم استغلال الانتخابات لجعلھا مدخلا لاستطالة الفساد، حيث تصبح هذه الانتخابات مھرجانات من أجل تجديد الشرعية لحكم اللصوص، وليس وقفة محاكمة ومحاسبة لھم، فالمحاسبة والرقابة على الأداء السياسي كانت ولا تزال غائبة في الممارسة السياسية وفي وعي وسلوك الجمهور، فإن التحالف بات وثيقاً بين طبقة سياسية محترفة في إنتاج وديمومة الفوضى والخراب وبين نظام سياسي باتت وظيفته الأساس تأمين مصالح وصفقات طبقة السياسيين الكليبتوقراطيين.

والأحزاب السياسية ضمن نظام حكم اللصوصية هي أحد أهم مكامن العجز في انتاج نموذج السياسي المحترف، فهي أحزاب تقوم على أساس الزعامات والرمزيات العائلية، ولا تقوم على معايير العمل والممارسة السياسية، بل هي تجمعات تقودها شخصيات تستثمر بعناوينها العائلية أو تقودها شخصيات أنتجتها المناصب السياسية التي وصلوا إليها بمحض الصدفة وليس الخبرة والكفاءة والاحترافية بالعمل السياسي.

ومن هنا، نجد أغلب هذه الأحزاب توصف بالهشاشة، لأن احتمالية انقسامھا أو تفككها أكثر من فرص بقائها متماسكة، حيث الزعامات في الأحزاب تعتقد أن الاحترافية السياسية لا تقوم على أساس خدمة قضية معينة يؤمنون بها، كما يعتقد ماكس فيبر، وإنما معيارها في نظام الكليبتوقراطية هو الولاء للزعيم والقائد، ومن ثم القدرة على الاستحواذ والسيطرة على الاقتصاد الريعي وما يتوفر من موارد الدولة.

كذلك في نظام حكم اللصوص، يكون هدفها -(أي : السياسية)- تقاسم السلطة بين زعامات هذا النظام هو الأيديولوجيا التي توحد الفرقاء السياسيين، وليس مهما من يحكم ومن يكون على رأس السلطة، مادام يلتزم باشتراطات الزعماء السياسيين وحاشيتهم، ولا يمنع تغوّلهم في الهيمنة على الموارد الاقتصادية للدولة، وأكبر أكذوبة تروجها الحكومات في النظام الكليبتوقراطي هي شعار (محاربة الفساد)، لأنها في واقع الحال مهمتها الأساس إدارة وتنظيم وشرعنة صفقات الفساد وتنظيم أبواب الهدر في المال العام. وحتى لو حملناها على حسن الظن، فهذا الشعار يرفع لمنع الشراكة في صفقات الفساد، لأن الحكومات والمافيات السياسية ترفض أن يكون لها شركاء جدد في الفساد.

ولا يمكن التعويل على نظام حكم اللصوصية بأن يكون قادرا على إنتاج نموذج للسياسي المحترف، فالمنظومة السياسية التي تقوم على أساس تحالف مقدس بين الفساد والعمل السياسي، تكون الاحترافية السياسية فيه تعمل على وفق معيار الإدامة والابقاء على عمل هذه المنظومة، وليس التمرد عليها. فهذه الأنظمة لا تنتج إلا الفاسدين ولا تأتي إلى سدة الحكم إلا بالفاشلين، وبھذا لا يمكن لها أن تنتج نموذجا لقائد سياسي ناجح.

التعليقات مغلقة.