قم “للحمار” في يومه العالمي ، وَفِّهِ التَّبْجيلا

على هامش مسابقة الحمير بجماعة أكرض إقليم الصويرة

الانتفاضة: بقلم محمد السعيد مازغ

في اليوم العالمي للحمير ، يٌعَزٌّ الحمار، وتٌقام على شرفه المهرجانات والمسابقات وموائد الطعام ، ويٌحْظى بالأهازيج الشعبية والفرق الفولكلورية وبالرقص الذي توظَّف فيه حتى الطفلات اللواتي لم يتجاوزن سن الحلم ، بعد تزيينهن بالزي التقليدي الأصيل الذي يشد الناظرين ويبهرهم،  خاصة الأجانب منهم  …..                                                                        في اليوم العالمي للحمير يشهد العالم أننا نقوم للحمار نُوَفِّه التَّبْجيلا، وكلمة “بَجَّل الحمار ” يا سادة ، في كتب الشرح والتفاسير تعني وقّرَه وعظّمه وبالغ في تكريمه، فمعذرة لنساء ورجال التعليم الذين خصهم أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدته الشهيرة” قم للمعلم وفه التبجيلا” . إذا زاحمهم الحمار في هذا الوصف أو أزاحهم عنه، بعد أن تنكر المجتمع لتضحيات نساء ورجال التربية التعليم، وأقصى متقاعديهم من الزيادات المرتقبة في الأجور ، وبجرة قلم تم الاستغناء عن خدمات الكثير منهم بدعوى أن لا حق لهم في ممارسة حقهم في التعبير والاحتجاج .. يمكن اليوم ان تستغني وزارة بنموسى عن المعلم، وتقطع رزقه ، ولكن من باب المستحيلات أن تستغني بعض جمعيات المجتمع المدني عن الحمار  الذي أضحى الشخصية البارزة التي تستحق الثناء والتقدير والمبالغة في التكريم…فشكرا للحمير ، ولرعاة الحمير الذين فتحوا أعيننا على المفارقة الغريبة في عهد حكومة عزيز أخنوش ووضعونا في قلب هذا الابداع الجديد

من قصبة بني عمار الواقعة ضواحي مكناس المغربية ، التي كان لها فضل السبق في تنظيم فعاليات مهرجان الحمير ، وسن تقليد سنوي يُهْدى خلالَه للفائز بسباق الحمير كيسا من الشعير وهدايا رمزية وشهادات تقديرية. فضلا عن تتويج المنظمين بجوائز عالمية ، هذا ” الإنجاز ” لقي استحسانا لذى بعض الأجانب المقيمين بالمغرب الذين انبهروا بمثل هذه المهرجانات ، وأبدوا  إعجابهم بهذا النوع من المسابقات ، واستعدادهم لتقديم الدعاية و الدعم …،                                      على نفس المنوال ، تدخل قرية اكرض بإقليم الصويرة على الخط، حيث يبدو ان إحدى جمعيات المجتمع المدني التقطت الإشارات ، وقررت بدورها الا تفوتها فرصة إحياء سباق الحمير في دورته الثانية “بفيلاج دونكي ” احتفالا باليوم العالمي للحمير . وذلك انتصارا لهذا الحيوان.

يقال والعهدة على الراوي: أن مهرجان الحمير هو مناسبة للتعريف بفضائل هذا الحيوان الذي لم ينصفه المجتمع، حيث تنَكَّر لخدماته الجليلة، وأدواره المتعددة وبدا يميل نحو وسائل النقل الحديثة كالدراجة رباعية العجلات ، وآلات الرفع التي تنقل الأشياء الثقيلة إلى المباني المرتفعة ، وغيرها من الوسائل التي تدفع في اتجاه الاستغناء جزئيا أو كلِّيًا عن خدمات الحمير ، و تعفي من تكاليفها بعد أن جفت الأراضي الفلاحية بفعل الجفاف وموجة الهجرة نحو المدن ، وارتفاع أسعار العلف الحيواني.
وبما أن إحياء مهرجان خاص بالحمير  له أبعاده الإنسانية التي تتجلى مشروعيتها في كون الحمير كانت تخدم الأنبياء ، وتساهم في رقي المجتمعات بحملها الأثقال والصعود بها الجبال الوعرة ، و سلك المسافات الطويلة والممرات والمنعرجات الضيِّقة ، كما استخدمت وتُستخدَم في معاصر الزيتون التقليدية وحرث الحقول وبناء الدور…. لذا فقد رقت القلوب لهذا الحيوان الصبور الأليف الوديع الخنوع … وقرر أصحابها رفع الضيم عنه، لأن فضائله لا تعد ولا تحصى، ولا ضَيْرَ في احتضانه ورعايته،  فالحمار أهلًا بالتكريم، ويستحق الاحتفاء به في يومه العالمي الذي يصادف اليوم الثامن من شهر ماي ،  وهو أيضاً مناسبة لِتتويج ” أجمل حمار” ، ومباركة ” الأتان ” وهي الأنثى الولود التي تنجب الحمير وتساهم في تكاثرها وتناسلها .. على أساس ان الاعتراف بالحمير فضيلة ، ونكران الجميل ليس من شيمة ابناء الأصول.
بعض الظرفاء ربطوا الاهتمام بالحمير دون غيرها من الحيوانات كالفرس والجمل ، والثور ، والغزال….التي لها مكانة وحظوة لذى جميع الساكنة، إلى التراجع الحاد لعدد الحمير منذ سنة 2022 , حيث بلغ عددها في المغرب آنذاك حسب دراسة علمية نشرتها صحيفة الاندبندت البريطانية مليون رأس ، وتشير هذه المعطيات غير الرسمية إلى أن المغرب يحتل المرتبة الأولى مغاربيا والرابعة عالميًا في عدد رؤوس الحمير ، الا أن هذا العدد انخفض بشكل كبير بسبب تراجع اعتماد القرويين على الحمير في أعمالهم فضلا عن مسألة التصدير إلى الخارج خاصة دولة آلصين واسبانيا وفرنسا. وحفاظا على هذه الثروة الحيوانية كان لزاما حمايتها ونشر الوعي بدورها وأهميتها حسب منظمي مهرجانات الحمير ، وتخصيص يوم تقام فيه المواسيم ، وتنظم فيه المسابقات ، وتستدعى له الشخصيات والمشاهير ، وتعرض فيه المنتجات المستخرجة من الحمير وفي مقدمتها : صابون حليب الحمير ، دواء إيجار المستخلص من الحمير، لبن وجبن الحمير. …
جميل أيضًا أن يحتضن مجموعة من الأجانب المقيمين بالصويرة ، وبالإقليم مثل هذه التظاهرات ، ويضعوا يدهم في يد المنظمين ، ويسجلوا حضورهم واهتمامهم بفعاليات مسابقات “حميرية ” على أرض قبيلة أكرد التاريخية ، وجميل أن يتحدث المشاركون وجلهم أطفال ويافعين وشباب في بداية عقدهم الثاني عن أهمية الحمار ودوره في خدمة المواطن في البادية على الخصوص ، ويعربون عن انشغالهم بتربية الحمير ، ويتحسرون على ان الساكنة بدأت تستغني عن الحمير بعد ان توفرت العديد من المواصلات التي تقوم مقامها وهي وسائل نقل مريحة ومغرية يربح من خلالها المواطن كثيراً من الوقت، ولهذا فهي تأمل أن تعود الساكنة إلى حياة البساطة وركوب الحمير وتمسح الصورة السلبية المتعلقة بالأذهان التي تستخف بذكاء هذا الحيوان ونعته بالغباء، علما ان الواقع يؤكد أن عقول الحمير هي” أثقل” من عقول البشر، وأن نردد:” قم للحمار وفه التبجيلا”.
 هؤلاء الأجانب وشركاؤهم يجهرون باهتمامهم بحماية حقوق الحيوان والرفق به، وبعض الجمعيات تبحث عن الدعم المادي من الجماعات القروية والمجالس البلدية ، ومن وزارة الثقافة ومن غيرها من أجل إحياء مهرجانات الغناء الساقط ، والضحك الباهث ، والرقص  الفاجر،…….  فماذا لو أبدى هؤلاء نفس الاهتمام ، وسجلوا نفس الحضور ، وكرسوا  اهتمامهم إلى جانب المهرجانات – حتى لا ننعث بالتزمت وتبخيس الفن  – ،  تنظيم أنشطة تخدم أبناء المنطقة ويكون لها تأثير مباشر على تحسين ظروف عيش المواطنين، من تطعيم المستوصفات بالأدوية وما تفتقر إليه من آلات وأجهزة طبية تعفي الساكنة من التنقل إلى مدينة الصويرة من أجل العلاج، لكانت بادرة تستحق الثناء والتنويه ،  فجماعة أكرض في حاجة أكبر إلى تعبيد الطرقات ، وتوفير المواصلات ، وتجهيز المؤسسات التعليمية ، وتوزيع الكتب و الأدوات المدرسية الحديثة “حواسيب، دراجات كهربائية، لوحات إلكترونية ،حاسبات ” ، وتكوين مهني مجاني ، ومهارات ميدانية في الفلاحة والصناعة والتجارة ، فضلا عن تعليم اللغات الاجنبية الحية. هذه العلوم من شأنها أن ترفع من قيمة الناشئة ، وتفتح عينيها على المستجدات والتطورات وتدفعها لوقوف الند للند مع ابناء الأجانب  الذين يوجهون نحو العلوم الحديثة ، ويقضون أوقاتهم في التعامل مع البرامج الرامية إلى تحديث المعرفة والمهارات بانتظام لمواكبة التقنيات الجديدة والتطورات في مجالات العمل المختلفة. في حين أبناؤنا يقضون وقت الفراغ في الأمور التافهة ، وبدلا من احتضانهم ورفع معنوياتهم ندعوهم للرقص، ولركوب الحمير ، وتحقيق البطولة في سباقها، وحصر الفكر في مزايا الحمير والاعتناء بها، والانشغال بالعلف والبرسيم ….. رحم الله الشاعر أبي الطيب المتنبي حين قال:

(   قل للحمير وإن طالت معالفها : لن تسبق الخيل في ركض الميادين   ) .

إننا اليوم في حاجة ماسة للنهوض بالإنسان أولا ثم يأتي الاهتمام بالحيوان وبغيره ثانيا أو ثالثا حسب الأولويات والمنافع، ….. وإذا كان الهدف الحقيقي من تنظيم مهرجان الحمير هدفا تجاريا محظا يرمي إلى تسويق وبيع العديد من المنتجات والتذكارات، فهذا ليس عيبا شريطة الوضوح والشفافية والاعتماد على الإمكانيات المادية الخاصة، وتجنب هدر المال العام . وعدم الخلط بين التجارة و”الحجارة ” لأن الجماعة لن يتبقى لها من مثل هذه التظاهرات الا مخلفات المطاعم والازبال وفاتورة الكهرباء ،.                                                                                                                       على الهامش: الحزب الديمقراطي الأمريكي اتخذ من الحمار رمزا وشعارا سياسيين ، وماركة تجارية مسجلة يجني من ورائها أرباحا طائلة وتحظى بمتابعة إعلامية كبيرة. لم يسجل عنه يوما انه أقحم التجارة في السياسة، وجلب الناس للانتخابات، فلكل مقام مقال ، والله يهدي خلقه.

التعليقات مغلقة.