الانتفاضة // محمد المتوكل
عبارة قالها المفكر الجزائري مالك بن نبي ومفادها الامة التي لا تقرا تموت قبل اوانها، ذلك ما ينطبق حقيقة وصدقا على المكتبات التي كانت تزين شارعا كبيرا بباب دكالة بمراكش، وكان المثقفون والباحثون عن تغذية ارواحهم من العلم والمعرفة يقصدونها في زمن من الازمنة التي كانت للثقافة معنى وللعلم مبنى، اما مع هؤلاء (الفتاتيش) الذين ملات سماعات الاذنين اذانهم، و (الكاسكات رؤوسهم وكانهم يحملون على رؤوسهم قرونا تشبه قرون البقر) وملات الهواتف النقالة جيوبهم وحقائبهم وكبروا وسط التلفزيون المائع والذي لا يشجع الا على التفاهة، وكبروا وسط عائلات لا تكاد تجد حى ارخص كتاب في دواليبها العامرة بالملابس والخالية من الكتب، بل لا يفكرون اصلا في تخصيص مكان للكتاب، والفضع من ذلك ابتليت الامة ببعض (السناطحية والسناطحيات) من لم يقرا كتابا في حياته، ولم يدر بخلده ان يمس صحيفة او مجلة على الاطلاق، ولن تجدهم يفهمون في كل شيئ وهم لا يفهمون اي شيئ، فنتج لنا قوم لهم (جبهات) عريضة في القيل والقال وكثرة السؤوال وكلام الشوارع والزناقي وهلم جرا، وليس لهم علم حتى بابسط رواية او قصة او سيرة ذاتية او مؤلف من المؤلفات التي كانت تزين سماءات مراكش وغيرها، جيل مائع مميع يهتم بما ياكل وبما يلبس وبما يشرب وبما يحصل عليه من (بقشيش)، ولا يهتم بتغذية روحه الجوفاء وعقليته الصماء البكماء، للاسف الشديد، والغريب في الامر يدعي هذا الجيل المختل والمعتوه والمنبوذ سبحان الله، انه وصل الى القمر وانه يطا الكواكب برجليه وهو في الحقيقة لم يستطع ان يميط عليه رداء الجهل والامية و(الكلاخ) المبين.
ففي باب دكالة وفي مشهد مؤسف تتعرض الاكشاك التي تزين هذه الساحة الشهيرة الى الهجران والنسيان واللامبالاة بسبب التطور التكنولوجي (ظلما وجهلا وزورا)، و الذي جاء ليقضي على اخر ما تبقى من الرغبة في العلم والتطلع نحو المعرفة التي اخذت في الافول رويدا رويدا، وبات المشهد يشهد على البشاعة والقرافة وكان المكان لم يلجه قرئا يوما او متصفحا يوما او باحثا عن العلم والمعرفة يوما.
كما ان الكتبيين واصحاب الاكشاك بهذا المكان التاريخي، يعلموا في قرارة انفسهم انهم يواجهون شبح الافلاس والاغلاق بسبب قلة الزوار وانعدام حس القراءة لدى اجيال من المغاربة وخاصة الاجيال الحالية، وتصاعد الرقمنة وتغيير الاولويات واسراع كثير من المغاربة نحو الجاهز من المعومات بعيدا عن مصادرها الام ومحاضنها الاصلية، كما ان جزءا من المغاربة لا يقرؤون اصلا واذا قرؤوا فاقل ما يقرؤون سطرين في السنة وهي كارثة بكل المقاييس لامة كان اول ما انزل فيها اقرا وهي لا تقرا، واذا قرات فشذرات من هنا وهناك لا تكاد تؤكل صاحبها طرفة خبز او تشرب صاحبها شربة ماء.
بقي ان نشير الى ان عامل القراءة عامل اساس في تحرير المجتمع من الجهل و (الكلاخ والتاسنطاحيت)، وهو باب من ابواب العلم والمعرفة والعبور نحو الالمعية والنجومية في كل الميادين والمجالات، كما ان القراءة باب من ابواب التقدم والتطور والسمو الفكري والعلمي والثقافي، الا ان الاجيال الحالية في الحقيقة لا تريد من هذا شيئ، ولا تسعى الى ذلك بشيئ، وانما تريد ان تعيش كما تعيش الانعام بل هم اضل (لا قراية لا زين لا مجي بكري)، وبذلك فقدنا البوصلة وضاعت بنا القافلة في بيداء الجهل والامية، وتاه بنا السير في دنيا للاسف اعطت للرويبضة التوافه الذين يتكلمون في امور العامة، فاصبحنا كالغراب الذي اراد تقليد مشية الحمامة فلا هو قلد مشية الحمامة ولا هو حافظ على مشيته في مشهد يبعث على الشفقة للاسف الشديد.
التعليقات مغلقة.