الصويرة تحت مجهر البوح المتاح

بقلم محمد السعيد مازغ

           كلما عزمت على تجديد الصلة بمدينة الصويرة التي أُغْرِمْت بها منذ الصِّبى، استحضرت مجموعة من الذكريات والأحداث الجميلة منها والأليمة ، إلا أن ميزان القِوى في الغالب يميل إلى الجانب المضيء، ويعتمد على الاحساس الداخلي والقناعات المترسِّبة والراسخة،التي لا تدْع مجالا للشك في أن مدينة الصويرة بِصِغَر حجمها ، تمتلك مقومات رفيعة قل نظيرها، سحر لا يقاوم، وجاذبية فريدة لا يدرك متعتها الا من أصبحت الطبيعة جزءا لا يتجزأ من حياته اليومية، ومن ترك خلف ظهره صخب الحياة واسترخى في أحضان الطبيعة، وأصاخ السمع لهدير الموج حين يناوش الصخر، ويبلل رمال الشاطئ.
لم يكن اختيار مدينة الصويرة ضمن لائحة مواقع التراث العالمي لمنظمة اليونسكو اختيارا اعتباطيا، ولا مكافأة مجانبة للصواب، وإنما هي قناعات أقر بها تاريخ الحضارات، قبل أن تعترف بها المنظمة الدولية، ومازال إلى اليوم مزيج الحضارة الأمازيغية، العربية والإفريقية، الإسلامية، اليهودية، والمسيحية شاهد عصره.
خصوصيات مدينة الصويرة لا تحصى ، فهي تعد من أجمل المدن الشاطئية المغربية، تتميز بمناخ بارد صيفاً، معتدل شتاء، وأجمل ما فيها الأمن والأمان بالليل والنهار ، طيبوبة السكان، سحر غروب الشمس وزرقة الجدران، خلوها من التلوث البيئي بفضل الرياح المغرية لرياضيي الألواح الشراعية ، الهدوء التام الذي لا يكسره سوى صوت الأدان ، أو نعيق طيور النورس أو كما يسميه العارفون ب “قيراقاج”، أجد نشوة في رياضة المشي خطوات تلو الخطوات ، يتجدد النشاط ، وتتحقق المتعة ، وأنجدب لنغم موسيقى ڭناوة، وفرق العازفين التي تنشط بساحة مولاي الحسن ومحيطه، أردد بعضا من الأبيات الشعرية التي جادت بها قريحة أخي الشاعر الاستاذ عبد الكبير أيت أوشن :
آه من أنين الصمت
و همس الشاطئ
وحدها النوارس تؤثت الزمكان
تحلق عكس الرياح الشرقية
و كأنها في طواف الوداع الاخير
كنت و لا أزال أخشى النهايات
كما الفصول الأخيرة من الحكايات
الأمواج تعانق الصخور بعنف
الشفق الأحمر هناك كعادته
يحضن جزيرتنا بكثير من الحب
فجأة تغيب الألوان
لتتوارى الحياة….
مدينة تنبض بالحياة رغم بعض المؤاخذات التي تربط الجمال بالتنمية، مقارنة بالظروف الاجتماعية ومستوى المعيش اليومي لغالبية السكان ، مشاكل هجرة الطاقات البشرية الطموحة إلى المدن المغربية والدول الأجنبية ، مقابل الهجرة المعاكسة لساكنة القرى والإقليم نحو المدن وإغراقها بالعربات المجرورة ، والأسواق العشوائية..كساد سوق الشغل ، نسبة البطالة ، غلاء الاسعار ، الافتقار إلى مجموعة من المرافق والمؤسسات كالمركب الجامعي ، والمعاهد العليا….مشاكل بالجملة ، منها من يتحمل فيه المسؤولية من وضع فيه السكان الثقة، ورشحوه للنهوض بالشأن المحلي ، ومنها من يتوقف على الإرادة السياسية ومنها المبرمجة ومنها الحلم المباح، بعيد المنال ، ومع ذلك ، فكثير من المدن المغربية تعاني من نفس الاختلالات، وبمعنى آخر ، فإن مدينة الصويرة ليست استثناء ، وأنه وكما قال الشاعر أبي البقاء الرندي :”لِكُلِّ شَيءٍ إِذا ما تَمّ نُقصانُ…،”.
وهبني الله مجموعة من الإخوان والأخوات من أبناء الصويرة ومن الوافدين عليها بحكم العمل التجاري أو الوظيفي ، الذين أعتز بمعرفتهم ، وأسعد كثيراً باللقاء بهم والتحدث إليهم، وقد قادت الثقة التي تجمعني بهم ، والعلاقات الطيبة التي نسجناها بخيوط رفيعة ومثينة، أساسها المصداقية والاحترام المتبادل، إلى التواصل شبه اليومي عبر شبكات التواصل الاجتماعي من خلال تبادل أدعية وأذكار، أو التوصل بمعلومات محلية ومقالات من أجل الإخبار أو النشر والتعميم، كما كانت دافعا أساسيا لتتبع ما يجري من أنشطة مختلفة ، ومن أخبار تهم الشأن المحلي والمساهمة في تنوير الرأي العام، وإبداء الرأي بعيدا عن التعصب والتراشقات ، والبحث عن ” البوز”، على حساب أخلاقيات المهنة ، أو تصفية الحسابات الضيقة بدعوى الحق في التعبير ، وتقمص شخصية النقابي أو الصحفي أو الحقوقي الذي تتيح له الصفة التهجم على الغير دون اعتبار للقيم الأخلاقية ، والمقتضيات القانونية ، والجهل الفضيع بما له من مسؤوليات وما عليه من واجبات، وطبيعي أننا لا نعمم الأحكام ، ولا نضع كل البيض في سلة واحدة، ولكن من خلال تتبع بعض التجاوزات التي تمارس بفعل الاندفاع العاطفي ،او تحت ذريعة حقوق الإنسان ، أو ما يتداول وينشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أخبار عارية عن الصحة، أو من تهجمات على الغير دون الإدلاء بما يؤكد أو ينفي الفعل ، ودون اعتبار لما تحمله بعض الأخبار من إساءة للمدينة وأبنائها ، ومن تضليل للرأي العام، وتجنبا لأي تأويل ،فليس المقصود بذلك، الأخبار التي تتداول المفاسد والنقائص ، وما يحبل به المجتمع من تناقضات وتجاوزات في إطار من المسؤولية ومنظومة القيم ، وما يسمح به القانون للنقابي والحقوقي والاعلامي كسلطة رقابية على كل ما يدور في المجتمع بما في ذلك مراقبة المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، وتسليط الضوء على أهم القضايا والأحداث التي تعج بها الدوائر، .وللأسف مازالت الكثير من المبادرات محتشمة ، لم ترق إلى المستوى المطلوب ، بحكم مجموعة من العوامل الذاتية وتلك الخارجة عن الارادة.، ويبقى الأمل معقودا على القوى الحية بالمدينة ، فهي أولى بلعب الدور المنوط بها باعتبارها الصوت المسموع ، والعين البصيرة ، والمساهم الأساسي في التنمية المحلية والوعي الجماعي ، والقادر على التفاعل مع القضايا المصيرية ، وتسويقها بالطرق المثلى كل حسب إمكانياته ومجال تخصصه.

التعليقات مغلقة.