الانسان بين واقع الصداقة و حقيقة العزلة

الانتفاضة // اسامة السعودي

هناك فئة قليلة من البشر أصبحت تميل إلى العزلة و الاستمتاع بالوحدة، فضلا عن مخالطة أصحاب الأقنعة المزيفة الذين يدعون أنهم معك و يحبونك و يقفون إلى جانبك، ولكن كل هذه الأكاديب تسقط عندما تنتهي مصالحهم الشخصية لا غير، يستغلون طيبوبتك و ثقتك فيهم و حينما تتعلق بهم يتخلون عنك ف اقرب فرصة وعند اول دورة.
لكن في بعض الأحيان تجد كثيرا من الناس غير قادرون على تكوين صداقات جديدة أو حتى الحفاظ على الصداقات القديمة، بسبب تجاربهم التي أقدموا عليها، أو المواقف الصعبة التي تأكدوا من خلالها أن لا وجود للصداقة سوى تحقيق الرغبات الشخصية لا غير، وحتى عامل الظروف يبقى سببا من بين أسباب فشل الصداقة، مثل الانتقال من مكان الى اخر، أو بسبب بعض الصفات الشخصيه في الانسان، كالخجل و الانطوائية أو المشاكل الأسرية التي تأثر في نفسية الأشخاص، يجعلهم بمليون للعزلة أكثر و يبتعدون عن المشاكل الاجتماعية.


البشر كائن مزاجي اذن فهناك فراغات يمر منها الإنسان تجعله يفكر في الابتعاد عن البشر و الذهاب للأماكن البعيدة التي يبقى فيها بمفرده و يحتاج إلى معرفة مايحتاجه هو بالضبط، يحتاج معرفة شخصيته و ماله و ما عليه، كما يحتاج إلى إعادة بناء نفسه بنفسه، فربما يفكر أن كثرة الصداقات سبب في ضياع وقته و فشله في حياته الخاصة، لذلك يقرر الاستغناء عن الصداقة و الاستمتاع بالعزلة لترتيب أوراقه.
و في نفس السياق تقول “فرجينيا توماس” أستاذة علم النفس المساعد في كلية ميدلبري:” إن شعور الشخص بالعزلة يعتمد إلى حد كبير على ما إذا كان اختارها أم فرضت عليه، فالأشخاص الذين اختاروا العزلة بإرادتهم لأنهم ممتلئون بأفكارهم ولديهم الكثير ليفعلوه في وحدتهم كما لديهم مشاكل كبيرة يحاولون ايجاد حلول لها، بحيث يختلف منظورهم للوحدة عن هؤلاء الذين فرضت عليهم العزلة وينظرون إليها كعقاب، و قد يكون بسبب تواجدهم في أماكن جديدة لا يعرفون أحدا هناك، أو بسبب والديه يمنعونه من الخروج و التعرف على الاخرين، فيجدون أنفسهم محاصرين في المنزل لا يستمتعون بحياتهم كما يريدون.
و أظهرت معظم الأبحاث في هذا المجال أن العزلة تصبح خيار الشخص كلما تقدم في السن، حيت أصبح يفرغ وقته لنفسه ولعائلته، ويهتم بمشاكله الخاصة، و برغم من أن الانطوائيين فقط هم من يستمتعون بالعزلة، فمثلا يمكن لاي شخص  أن يذهب في خلوة لوحده و يسمتع بوقته، و الاستمتاع بالأنشطة الإبداعية كالرسم أو الغناء و غيرها، بحيث إن للعزلة تأثيرا مهدئا للعقول، الأمر الذي لا يدركه الأشخاص الذين يربطون العزلة بالملل و القلق.


هنا راودني سؤال لماذا لا يمكن لبعض الأشخاص تكوين صداقات جديدة أو حتى الحفاظ على الصداقات القديمة؟
قد نقول بأن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دورا أساسيا في حياة الإنسان، اذ أصبح يفضل البقاء في المنزل و الانشغال بمواقع التواصل فضلا عن ملاقاة الأصدقاء و الأحبة، ووجدت إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجرتها إحدى شركات الاستطلاع أن 22 % من جيل الألفية أفادوا بأنه ليس لديهم أصدقاء.
و أكدت الأخصائية في علم النفس السريري “جيسيكا أرميلو”، أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل الشخص يواجه صعوبة في تكوين الصداقات، ومنها القلق الذي يسيطر على بعض الأشخاص بدرجات مختلفة عند مقابلة أشخاص جدد بسبب الخوف من الرفض أو أحكام الآخرين، وهو ما يمنعهم من التواصل الجيد مع من حولهم ويعزز عزلتهم، حسب قولها لمنصة “فري ويل مايند”.


كما أن العديد من الأسباب أصبحت عائقا بين الأصدقاء منها انشغالهم في العمل أو في المنزل، و لا يجدون وقتا لقضاء وقت مع الأصدقاء، بحكم  ان كل شخص و انشغالاته في هذه الحياة، أصبح الكل يجري وراء مصالحه، قد يضحي بالصداقة في سبيل المال أو في سبيل المصالح الشخصية، وهو ما يدفعهم لإهمال الصداقة لأجل أولويات أخرى.
فحتى الصداقة الحقيقة أصبحت منعدمة عند البعض، حيث يتطلب تكوين الصداقات الحقيقة كثير من الأشياء، فعلى سبيل المثال لا الحصر:
1-الثقة بين الأصدقاء.
2-مساعدة الأصدقاء لبعضهم البعض.
3-مشاركة الأحزان و الأفراح فيما بينهم.
4-تجنب الصراعات الثنائية و المحاسبة.
5-لن تستمر الصداقة الحقيقية دون مجهود ورغبة صادقة.
وكشف الباحث “جيفري هول” في دراسة نشرت في مجلة العلاقات الشخصية والاجتماعية تعزز هذا الرأي، حيث اكدت أن انتقال شخص من مرحلة التعارف إلى مرحلة الصداقة يتطلب قضاء ما يقرب من 50 ساعة معه، أما انتقاله إلى فئة الصديق المقرب يتطلب ما يقرب من 300 ساعة من البقاء معا في أوقات متباينة وأنشطة مختلفة.
كما أن هناك مرحلة مهمة قبل الصداقة و هي التحضير لها، حيث لا يمكن لشخص ما تكوين صداقات من أشخاص لا يعرفهم حق المعرفة، لكن ينبغي أن يسعى للصداقة مع الأشخاص المناسبين وتقبل احتمالات الرفض، وإذا استطاع الشخص تقبل هذا الاحتمال سيتجاوز حاجزا كبيرا يبقيه وحيدا.
كما ينبغي على الأشخاص اختيار الأصدقاء الذين يحافظون على أسرارهم ولا يفشونها في حالة وقوع نزاع، وكذلك الدفاع عنهم في غيبتهم، و أن يكون سندا لهم في حالة أصابتهم مصيبة، و تقديم لهم المساعدة عند الحاجة.
وبما أن الصداقة تبدأ صغيرة ثم تكبر مع الوقت، فغالبا ما يكون الأصدقاء بحاجة إلى إثبات الثقة في الأمور الصغيرة، التي تدور بينهم منها:
1-في حالة كان هناك موعد بينهم فيجب عليهم الحضور في الوقت المحدد الذي اتفقوا عليه.
2- عدم تجاهل المواعيد عن القصد و الاعتذار عند الضرورة.
3-عدم المقاطعة أثناء الحديث و السخرية منها أمام الآخرين.
4-الاهتمام بما يقوله و الاستماع اليه أثناء الكلام.
لذا قبل الدخول في الصداقة مع الاخرين تأكد من تواجدك بجوار أصدقائك في الوقائع و الأحداث الحياتية المهمة سواء أكانت أحداثا سعيدة أو حزينة، ولا تعول دائما على أن الأصدقاء سيقدرون انشغالك عنهم، بما يقدرون ذلك لكنهم ينشغلون عنك أيضا، فتنتهي الصداقة قبل أن تبدأ، لذلك اختر من يكونوا معك في وقت الشدة و المهمة و ليس وقت الفرح و السعادة، و تأكد أن من لم يكن معك في وقت الشدة لا تحتاج إليه في وقت الرخاء.

 

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.