المثقف و السياسي٠٠٠القيم و المصلحة

الانتفاضة

القيم و المصلحة محركان في حياة الإنسان و الجماعات، فهناك من تحركه القيم، و هناك من تحركه المصلحة ٠
و من تحركه القيم هو أرفع درجات من الذي تحركه المصلحة، لأن منزلة القيم أرفع من منزلة المصلحة ٠
و لا شك أن الذي تحركه القيم يكون أكثر صفاء في بواعثه من الذي تحركه المصلحة، و قد يكون أكثر ثباتا و استقامة، وأكثر عطاءا أيضا٠
لأن المصلحة لها أجل أقصر من أجل القيم، و لأن المصلحة محكومة بحدود الإمكان الضيق كذلك، و المحدد غالبا بدقة، في حين أن القيم محكومة بحدود الإستطاعة، التي تعني بذل قصارى الجهد ٠
ما يفترض أيضا، و هذه ألمع صورة للمثقف إذا تحققت في شخصيته و طباعه و سلوكه، فإن المثقف في صورته الأخلاقية، ينبغي أن يتحول إلى مصدر يستلهم منه الناس القيم التي يفترض أن يكون حارسا لها،
و مدافعا عنها، و عاملا على تطبيقها ٠
و بحكم قرب السياسة من المصلحة، فإن السياسي يكون أقرب إلى عالم المصلحة من حيث الواقع الفعلي، حيث يتمرس
و يتطبع بها بفعل الأجواء التي يحتك بها، و الممارسة التي يتعايش معها ٠
والمثقف الذي يكون قريبا من عالم القيم، لا يعني أنه يكون بعيدا عن عالم المصلحة، و السياسي الذي يكون بعيدا عن عالم القيم٠
الثقافة لها طبيعة التجلي في صورة المطلق، و السياسة لها طبيعة التجلي في صورة النسبي ٠
و المطلق هو يتعالى على المكان و الزمان، و لا يتقيد قسريا بشروطهما و محدداتهما، و النسبي هو الذي يتقيد بالمكان والزمان و بشروطهما و محدداتهما ٠
و ليست للمطلق صورة فعلية إلا في الذهن، و النسبي صورته الفعلية في الواقع ٠
لهذا فإن المطلق يستدل عليه من الواقع لأنه من مقولات الواقع ٠
و المطلق أكثر بقاء من النسبي، لأنه لا يتقيد بمكان و زمان، و يكون عابرا بين الأمكنة و الأزمنة، و النسبي أكثر ظهورا وحضورا، لأنه يتقيد بمكان و زمان، و يتغير و يتقلب بين الأمكنة و الأزمنة التي من طبيعتها التغير و التقلب ٠
في أواخر ثمانينات القرن العشرين صدرت دراسة في فرنسا من إعداد بعض الباحثين الفرنسيين، عالجت إمكانية أن تكون الثقافة بديلا عن السياسة في إنماء و تطوير و تحسين العلاقات الدولية، و في معالجة الأزمات و التوترات بين الدول ٠
و اعتبرت الدراسة أن الثقافة في الوقت الحاضر تفهم بشكل أكثر إتساعا مما كانت عليه في ماض قريب، و أنها تهدف إلى تناول الإنسان بكليته جسدا و روحا و عقلا و وجدانا ٠
و يشكل هذا المفهوم عاملا قويا في العلاقات الدولية يتمثل في إعلان الحق بالثقافة، و الحق في المبادلات الثقافية٠
و تخلص الدراسة إلى أن السياسة بمفردها لم تستطع أن تعالج مشكلات الأمم، فلابد من تعاضد الثقافة، و بالتالي ضرورة تطوير العلاقات و المجالات الثقافية بين الدول و الشعوب ٠
و الحقيقة أن الثقافة لا يمكن أن تكون بديلا عن السياسة، و أن السياسة سوف تظل في حاجة إلى ثقافة ٠
و من الصحيح أيضا أن السياسة بمفردها لا تستطيع معالجة مشكلات الأمم و لا بد من معاضة الثقافة ٠
الثقافة ليست محصنة من النقد، و هي ليست تصويبا محضا، و لاتعني بأي صورة كانت التطابق التام مع القيم ٠
و الحق لا يمثل فيها الجوهر الثابت، فهي معرضة للزلل و التقلب و التغير، و بالتالي فهي بحاجة إلى النقد و التصويب ٠
البداوي إدريسي : المدير المسؤول لجريدة الأحداث الأسبوعية «م-ن» و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة الإنتفاضة المغربية ٠

التعليقات مغلقة.