الانتفاضة / محمد المتوكل
في النهار قد تعجبك مدينة مراكش عندما تزورها لأول مرة، فتبهرك شوارعها الكبيرة وبناياتها ذات اللون الأحمر، ونخيلها المنتشر هنا وهناك، ودراجاتها التي تملا المكان، ولهجة المراكشيين الي تبعث على المرح والنكتة والضحك أما الأكل ف(الطنجية) والاكلات الشعبية فاشهر من نار على علم، فمدينة مراكش ذات (السبعة رجال) و (ساحة جامع الفنا) و (الكتبية) و(قصر الباهية) و (المنارة) و الرياضات والصناعة التقليدية و (البازارات) والحدائق الكبيرة فضلا عن وجود عدد من الأجانب الذين يفضلون هذه القلعة الحمراء من اجل قضاء عطلهم، بل منهم من استقر بشكل نهائي في مدينة يوسف بن تاشفين نظرا لجوها المتميز، وبيئتها الرائعة.
كما ان المدينة تحتوي على ساحة كبيرة يجتمع فيها كل الأجناس من كل البقاع ليستمتعوا بأجواء الحلقة، ولوحات فنية يؤطرها عدد من الفكاهيين، والحكواتيين كفن الحلقة وترويض الافاعي وغير ذلك من الأنشطة المدرة للدخل، مما بوأ مراكش مكانة هامة مقارنة مع باقي دول المعمور، واعتبرت ساحة جامع الفنا من التراث اللامادي كقيمة رمزية أعطيت لها من قبل منظمة اليونيسكو، لكن لنا سؤال في هذ الإطار وهو كالتالي: هل ليل مراكش كنهارها؟.
في الحقيقة تصعب الإجابة على هذا السؤال لأنه تكفي جولة صغيرة في مراكش ليلا يبدو وكأنك لست في مراكش التي رأيتها نهارا، ففي ليل مراكش يمكنك ان تشاهد بأم عينيك الفتيات العاريات اللواتي ينتظرن زبونا مفترضا لقضاء ليلة ماجنة، وفي ليل مراكش يمكنك أن ترى أصحاب سيارات الأجرة الصغيرة يرفعون من ثمن التسعيرة، وفي ليل مراكش يمكنك أن ترى (الشمكارا)، وقطاع الليل ينتشرون على جنبات المحطات الطرقية فضلا عن الشواذ الذين ينتظرون فرصة مرور من يشبههم في اللون، والغريزة والميول، في ليل مراكش يمكنك أن ترى الحشاشين و(المقرقبين)، وأصحاب (الطاسة والقرطاسة) و(الشيشة) يولون قبلتهم تجاه المقاهي و الحانات والخمارات من أجل تناول الجعة والخمر الغالي والرخيص أحيانا، في ليل مراكش يمكنك ان ترى الأطفال الصغار وهم يصولون ويجولون في شوارع المدينة بدون مراقبة للوالدين، في ليل مراكش يمكنك أن ترى (الشحاتين) والمتسولين يقطعون الأميال وهو يطلبون هذا ويتوسلون ذاك، في ليل مراكش يمكنك أن ترى أصحاب الحافلات وهم يصيحون من هنا وهناك من اجل الحصول على زبون محتمل ولا يتركون له حتى فرصة الذهاب الى شبابيك المحطة من أجل الحصول على ورقة السفر، في ليل مراكش يكثر الصراخ و (الزكا) و(الغوات) والذهاب والمجيء والحركية التي قد تتعدى حركية النهار شكلا ومضمونا، فلماذا هذه الفوارق يا ترى؟.
أعتقد أن التركيبة التربوية والمنظومة السيكولوجية إجمالا هي من صنعت لنا هذه الفوارق الاجتماعية الخطيرة، فصنعت لنا أجيالا منفصمة الشخصية، غير متوازنة النفسية، مضطربة الأفكار والتصورات والمعتقدات والقيم للأسف الشديد، فأنتج لنا في الأخير مدنا تبدو أنها قريبة إلى الإسلام في النهار، وبعيدة من الإسلام في الليل، مدنا تعيش نوعا من السكيزوفرينيا في الاخلاق، والقيم والعادات والتقاليد والمنظومة بكلها.
للأسف الشديد، ابتلعتنا الأفكار العلمانية القاتلة، ودمرتنا الحداثة المفترى عليها، وأدخلتنا الرأسمالية المتوحشة إلى بوتقة التحلل والفساد الأخلاقي وفي كل المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والفنية والرياضية، فأصبحنا أمة بدون هوية، ولا توجه ولا هدف، فصرنا لا نفرق بين ليلنا ونهارنا وكل مراكش وأنتم…
التعليقات مغلقة.