الانتفاضة / ياسمين السملالي
احيانا نتحدث عن الهدر المدرسي ونعني به التسرب الذي يحصل في مسيرة الطفل الدراسية التي تتوقف في مرحلة معينة دون أن يستكمل دراسته. لكن نفس الظاهرة يتم الحديث عنها في كتابات بعض التربويين بالفشل الدراسي الذي يرتبط لدى أغلبهم بالتعثر الدراسي.
وكيفما كان التعريف بهذه المعضلة، فلا بد من الاعتراف أننا أمام ظاهرة تؤرق المجتمعات المتخلفة بشكل عام. فهي تحمل كل مقومات الفشل سواء على مستوى الفرد أو على مستوى المجتمع.
يُعتبر الانقطاع المبكر عن الدراسة أو الهدر المدرسي إشكالية مركبة في المغرب، عانت منها المنظومة التربوية لفترة طويلة، لأسباب عدة، منها: مشاكل مناهج المدارس الرسمية أو المشاكل العائلية والبيئة الاجتماعية للأطفال. أرقام الهدر المدرسي، كانت مخيفة خلال أعوام، ولكن بعد تظافر الجهود، تمكّنت المنظومة الوطنية المغربية من ضبط هذه النسب، كما ان التحكم في الظاهرة أتى انطلاقا من برامج استثمارية كبرى، تتعلق بتشييد مؤسسات تعليمية كثيرة في الوسط القروي، خصوصا في الأحياء التي لم تكن تتوفر فيها بنيات الاستقبال الضرورية.
هي اذن ظاهرة معقدة تمس المنظومة التربوية لكل البلدان، ألا وهي ظاهرة الهدر المدرسي، التي باتت مظاهرها جليةً في المجتمع اليوم، ولا تخفى على أحد سواء أكان من المختصين في القضايا التربوية أو لم يكن، فانقطاع التلاميذ عن الدراسة، يشكل عامل كبح للتنمية التي يرجو المجتمع أن يحمل مشعلها الأبناء مستقبلا، مما يهدد هذا النوع من المجتمعات بالسكون والثبات، ويفضي به إلى الموت لاحقا. غير أننا لا ندعي أنه محاولة للبحث عن حل لهذه الآفة التي تنخر المجتمع، وإنما هو محاولة لتقصي حقيقة هذا الهدر، وأسبابه من زاوية جديدة، هي زاوية نظر التلميذ المهدور، لتجربة الهدر كما عاشها بنفسه، وذلك سعيا منا لإيصال صوته الذي طالما غُيب في بحوث سابقة لصالح صوت الخبير البيداغوجي، أو الخبير الاجتماعي والاقتصادي.
فالأسباب الكامنة وراء تأخير التمدرس في الوسط القروي، يمكن إرجاعها إلى أسباب من داخل المنظومة وأسباب أخرى من خارجها ، اجتماعية وثقافية واقتصادية. وتخص العوامل الداخلية، بعد المدارس عن مكان إقامة التلاميذ، وعزلة الدواوير وضعف التجهيزات الأساسية في المدارس (ماء – كهرباء – مراحيض) وظروف عيش المدرسين، وكذا عدم ملائمة مقررات التعليم مع الواقع المحلي، كما أن العديد من بنايات المدارس الابتدائية بهذا الوسط، تعاني من التدهور و التلاشي، إضافة إلى الاكتظاظ الذي أصبحت تعاني منه الأقسام المشتركة، ومعاناة التلاميذ من الازدحام بسبب قلة المقاعد، وتتعلق العوامل الاجتماعية و الثقافية بوضعية المرأة، ونظرة السكان القرويين للمدرسة، فالعادات و التقاليد تلعب دورا هاما، حيث نجد عائلات لا تقبل على تعليم البنات، وفي أحسن الأحوال يقف تمدرسها في المراحل الابتدائية.
أما العوامل الاقتصادية فذات أهمية نظرا لارتباطها بالإمكانات المادية المحدودة للأسر، فارتفاع تكاليف الدراسة من واجبات التسجيل، وشراء الأدوات و الملابس، وعدم استفادة التلميذ من منحة دراسية، كلها عوامل تجعل الأطفال خاصة الإناث منهم-ينقطعون عن الدراسة، للبحث عن عمل يوفر دخلا إضافيا للأسرة.
ومن الأسباب المساهمة في الهدر المدرسي تدني مستوى التعليم العمومي بالمغرب. فحسب الدراسة فإن علاقة الطفل بالمدرسة أصبحت علاقة نفور، إذ تلاشى الرابط بين التلاميذ ومدرسيهم بسبب العنف والتهميش.
كما تعاني المدرسة المغربية من نقص في التجهيز التربوي، وندرة في الأنشطة غير التعليمية، وضعف في تكوين المدرسين لمواجهة حاجات الأطفال ومشاكلهم، وتطول لائحة الأسباب الخارجية المنفرة للأطفال من المدرسة، كالتفكك الأسري، وأمية الآباء والأمهات، وتأثير الشارع، والمخدرات والبطالة، والرغبة في الهجرة إلى الغرب.
التعليقات مغلقة.