الانتفاضة
بقلم محمد السعيد مازغ
فرنسا تحترق، ودم الطفل الفرنسي نائل ذو الأصول الجزائرية البالغ من العمر 17 سنة، الذي قتل بدم بارد على يد رجل أمن فرنسي، أثناء فحص مروري في ضاحية نانتير بباريس بدعوى لم يمتثل لشرطة المرور، لن يروح هدرا.
وكادت تبريرات إطلاق النار على شاب مراهق، يجمع الكثيرون على حسن خلقه، أن تخرج عن الصواب، لولا فيديوهات وثقت للجريمة، وأثبتت ظلم رجل الأمن للشاب الذي لم تدع تصرفاته إلى استخدام السلاح الناري وإطلاق ثلاث رصاصات على صدره لترديه قتيلا في الحين.
ولم تطفئ الإدانة والاعتذار، ولا التهديدات والاعتقالات، ولا القرارات والإجراءات، الجماهير الغاضبة التي خرجت إلى الشارع لتعبر عن غضبها، وكانت ردة فعلها قاسية، وهي تحرق السيارات الناقلات، وتكسر أعمدة الإنارة، وواجهات المحلات التجارية، ومخافر الشرطة، وتمتد الأيادي إلى الممتلكات العامة والخاصة في فوضى عارمة، ومواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات الأمن الفرنسي.
وإذا كانت عملية التخريب مرفوضة قانونيا وأخلاقيا، وأن الشعوب المتحضرة تلجأ إلى القضاء وهي مؤمنة بالإنصاف والعدالة التي لا تفرق بين الفقير والغني، وبين الأبيض والأسود، وتعتبر المواطنين سواء منهم الأصليون أو المجنسون أو المهاجرون سواء أمام القانون، تنصف المظلوم، وينال الظالم جزاءه، فإن عديد من الأحداث تؤشر على تراجع الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأن كثيرآ من القيم الإنسانية أضحت تغتال في واضحة النهار، وبشكل فاضح ، والتقارير تحكمها الحسابات السياسية، ويشتم منها رائحة الميز العنصري، والالتفاف على القوانين، الشيء الذي لم يعد مقبولا في ظل وعي مجتمعي بالحقوق والواجبات، وتراجع عامل الخوف، وفورة الشباب وردة فعلهم القوية التي لا تعرف معنى المهادنة، ولا تخشى ضياع مصلحة، وبالتالي فهي تفرض نفسها وتهدد السلم الإجتماعي في حالة استمرار الميز العنصري والحيف.
فرنسا بعد فشلها في إخماد غضب الشباب والأطفال الثائرين ، لم تجد من الحلول سوى إغراق الشوارع بالعناصر الأمنية المدججة بالسلاح، واللجوء إلى الآباء وتذكيرهم بمسؤولياتهم نحو ضبط أبنائهم القاصرين، ومنعهم من المشاركة في التخريب والاصطدامات مع رجال الأمن، متجاهلة أنها كانت دائما تصادر حق الآباء في تربية أبنائهم وفق الشريعة الإسلامية السمحاء، وتدفع الأبناء لعدم الامتثال، و عصيان الوالدين بدعوى الحرية والحداثة والاستقلالية، وهي السياسة التي تجني ثمارها اليوم، وقد يكون ثمنها غاليا مستقبلا.

التعليقات مغلقة.