جماعة إنزكان تحت مجهر المجلس الأعلى للحسابات

0

الانتفاضة 

لم تعد الملاحظات التي أوردها المجلس الأعلى للحسابات بشأن تدبير الشأن العام بجماعة إنزكان مجرد تفاصيل إدارية متفرقة يمكن المرور عليها مرور الكرام. فبعدما سبق أن أثيرت، في تقارير ومعطيات منشورة، ملفات تتعلق بأملاك الدولة والطرق العمومية وتسوية وضعيات عقارية غير قانونية، تعود إلى الواجهة اليوم معطيات أخرى أكثر حساسية، تتعلق بطريقة تدبير عدد من المرافق الجماعية والصفقات المرتبطة بها.
المعطيات الواردة في التقرير تفتح الباب أمام أسئلة جدية حول المنافسة وتكافؤ الفرص وحماية الموارد والممتلكات الجماعية، خصوصاً في ظل الحديث عن تكرار استفادة شركات بعينها من عدد من المرافق، وعن عقود امتدت لسنوات، فضلاً عن ملحقات إضافية سمحت باستمرار الاستغلال خارج الآجال الأصلية للعقود.من الطرق العمومية إلى المرافق الجماعية.. خيط واحد يقود إلى سؤال الحكامة

سبق أن نشرت معطيات حول تقرير للمجلس الأعلى للحسابات كشف ملاحظات تتعلق باستغلال أجزاء من الطرق العمومية وعقارات تابعة للدولة بمدينة إنزكان، إلى جانب ملفات أخرى مرتبطة بتسوية وضعيات عقارية وقانونية.
وفي الملف الجديد، تتجه ملاحظات المجلس إلى مجال آخر لا يقل حساسية: المرافق الجماعية التي يفترض أن تكون مواردها وشروط استغلالها خاضعة لأقصى درجات الشفافية والمنافسة.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بمن رست عليه الصفقة، وإنما بكيفية إعداد شروطها، وكيفية تحديد واجبات الاستغلال، ولماذا استمرت بعض العقود لسنوات طويلة، وما إذا كانت الجماعة قد حصلت فعلاً على أفضل الشروط الممكنة.

شركات متكررة.. والمنافسة تطرح أكثر من علامة استفهام

من أبرز المعطيات التي تستوقف في تقرير المجلس الأعلى للحسابات ما يتعلق بمحاضر طلبات العروض الخاصة بعدد من المرافق.

فبحسب المعطيات المنشورة، أظهر التدقيق هيمنة ثلاث شركات رئيسية على معظم الصفقات، مع الإشارة إلى أن ملكية هذه الشركات تعود لأفراد من عائلة واحدة وشركائهم.
وهذه المعطيات، في حد ذاتها، لا تعني تلقائياً وجود مخالفة أو تواطؤ، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى اتساع دائرة المنافسة فعلياً، وحول الظروف التي جعلت شركات محددة تتكرر في عدد من الصفقات.
فالمنافسة الحقيقية لا تقاس فقط بفتح باب طلب العروض، وإنما أيضاً بمدى قدرة أكبر عدد ممكن من المتنافسين على استيفاء شروطه والدخول فيه على قدم المساواة.
شروط بملايين الدراهم.. هل كانت المنافسة متاحة للجميع؟
من أكثر النقاط إثارة في التقرير تلك المتعلقة بدفاتر التحملات وأنظمة الاستشارة.

فالتقرير يشير إلى شروط مالية وإدارية اعتبر أنها ساهمت في تضييق دائرة المنافسة، ومن بينها إلزام المتنافسين بإيداع شيك مضمون بكامل مبلغ الإيجار السنوي، وهي مبالغ قد تصل إلى أرقام مرتفعة جداً.

وتزداد حساسية هذه النقطة عندما يتعلق الأمر بمرافق عمومية تستقطب مستثمرين ومقاولات متفاوتة في الإمكانيات المالية.

فالسؤال هنا ليس: هل يسمح القانون بإدراج هذا الشرط أم لا؟

بل السؤال الأهم هو: هل كانت الشروط الموضوعة مصممة فعلاً لضمان أفضل عرض للجماعة، أم أنها كانت من الصعب بمكان أن تستجيب لها إلا فئة محدودة من المتنافسين؟

31 ملحقاً إضافياً.. عندما يصبح الاستثناء امتداداً للعقد

لكن الملف الأكثر إثارة يتعلق بتمديد عقود استغلال المرافق، فوفق المعطيات الواردة في التقرير، تم إبرام 31 ملحقاً إضافياً من أصل 53 عقد إيجار، وهو رقم يستحق التوقف عنده، خصوصاً عندما تشير المعطيات إلى أن بعض هذه التمديدات سمحت باستمرار الاستغلال لسنوات إضافية، وتكشف هذه الأرقام عن إشكالية تتجاوز مجرد تمديد عقد هنا أو هناك.

عندما تصبح الملاحق المتتالية ظاهرة متكررة، فإن السؤال ينتقل من “لماذا مُدّد هذا العقد؟” إلى “لماذا أصبحت التمديدات تتكرر بهذه الكثافة؟”.

وهو سؤال مشروع خصوصاً عندما تكون المرافق المعنية ذات قيمة اقتصادية ومالية، وعندما يعني تمديد العقد تأجيل فتح باب المنافسة أمام متنافسين آخرين.

ست سنوات إضافية خارج المنافسة؟

الأكثر إثارة في المعطيات المنشورة هو ما يتعلق باستفادة بعض الشركات من أكثر من ست سنوات إضافية من الاستغلال بموجب ملحقات إضافية.

وإذا كانت هذه المعطيات كما وردت في التقرير، فإن الأمر يطرح إشكالاً جوهرياً يتعلق بحدود الاستثناء في تدبير المرافق العمومية.

فالعقد محدد المدة، والمنافسة مرتبطة بمدة محددة، وانتهاء العقد يفترض، من حيث المبدأ، فتح المجال أمام منافسة جديدة وفق القواعد المنظمة.

أما استمرار الاستغلال عبر سلسلة من الملاحق، فيجعل السؤال مشروعاً: أين تنتهي ضرورة التمديد وتبدأ قاعدة الاحتفاظ بالمرفق خارج المنافسة؟

سوق الجملة والمجزرة وسوق البهائم.. مرافق ليست هامشية

تزداد أهمية هذه الملاحظات بالنظر إلى طبيعة المرافق المعنية، التي تشمل مرافق ذات وزن اقتصادي واجتماعي، من قبيل سوق الجملة للخضر والفواكه، والمجزرة، وسوق المواشي وغيرها، فهذه ليست مرافق ثانوية.

إنها فضاءات مرتبطة مباشرة بالنشاط التجاري والاقتصادي، وتؤثر في موارد الجماعة وفي مصالح المهنيين وفي المواطنين بشكل مباشر أو غير مباشر.

ولهذا فإن أي خلل في تدبيرها لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مجرد إشكال إداري، بل باعتباره ملفاً يرتبط بـالحكامة والعدالة الاقتصادية وحماية المال العام.

عندما يفشل طلب العروض.. ماذا يحدث بعد ذلك؟

ومن بين الملاحظات التي تستحق التحقيق الصحفي كذلك، ما يتعلق بحالات عدم جدوى بعض العمليات، ثم إعادة النظر في الشروط أو الأسعار قبل إسناد المرفق.

فهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: هل أدت المنافسة فعلاً إلى الوصول إلى أفضل قيمة مالية للجماعة، أم أن مسار بعض العمليات انتهى عملياً إلى تمكين العارض نفسه من الاستفادة وفق شروط جديدة؟

هذا السؤال لا يمكن حسمه بالانطباعات، وإنما يحتاج إلى وضع دفاتر التحملات، ومحاضر فتح الأظرفة، والعروض المالية، والملاحق، والعقود الأصلية جنباً إلى جنب.

هناك فقط يمكن معرفة كيف تغيرت الشروط، ومن استفاد، وما إذا كانت مصلحة الجماعة قد ظلت هي المعيار الأول.

ملف لا ينبغي أن يُغلق عند حدود التقرير

المجلس الأعلى للحسابات لا يصدر أحكاماً سياسية، بل يراقب جوانب من تدبير المال العام ويورد ملاحظاته وتوصياته وفق اختصاصاته، ولهذا فإن المعطيات التي أوردها التقرير ينبغي أن تكون بداية للنقاش والتحقيق، لا نهايته.

فالمطلوب ليس توجيه اتهامات مجانية إلى أشخاص أو شركات، وإنما طرح الأسئلة التي تهم سكان إنزكان:

من استفاد من هذه المرافق؟
كم بلغت قيمة العقود الأصلية؟
كم بلغت قيمة التمديدات والملاحق؟
لماذا تكررت استفادة شركات بعينها؟
كم عدد الشركات التي شاركت فعلياً في كل طلب عروض؟
هل كانت شروط المشاركة متاحة بشكل متكافئ؟
ما هي المبررات القانونية والإدارية وراء التمديدات المتكررة؟
وكم كان يمكن أن تستفيد الجماعة لو أعيد فتح المنافسة في آجالها الطبيعية؟
إنزكان أمام امتحان الشفافية

بين عقارات الدولة والطرق العمومية من جهة، والمرافق والصفقات الجماعية من جهة أخرى، تتشكل أمام الرأي العام صورة تستوجب فتح نقاش جدي حول تدبير الملك العمومي والحفاظ على موارد الجماعة.

والقضية في النهاية ليست قضية شركة أو عقد أو ملحق منفرد.

القضية هي: هل تُدار المرافق العمومية بمنطق حماية المصلحة العامة وفتح المنافسة، أم بمنطق استمرار نفس المستفيدين عبر عقود وتمديدات متتالية؟

ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تضعه هذه المعطيات أمام مسؤولي جماعة إنزكان، وأمام المجلس الجماعي، وأمام كل من يعنيه مستقبل تدبير المال والملك العموميين.

والجواب لا ينبغي أن يكون بالشعارات، وإنما بالوثائق والأرقام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.