الإنتفاضة // بقلم : ” محمد السعيد مازغ “
كثيرًا ما نصادف أشخاصًا يتحدثون بحماس عن غيرتهم على الوطن، ويتبجحون بنضالهم المستميت من أجل حماية المال العام، وفضح الفساد والمفسدين. يرفعون شعارات براقة، ويجيدون استقطاب الأتباع، ويجدون من يصفق لهم ويدعمهم ماديًا ومعنويًا. لكن حين نقترب من الصورة أكثر، قد نكتشف أن بعض هذه الوجوه ليست سوى واجهات لأجندات أخرى، أو أن أصحابها يتقنون فن الخطابة وسحر الكلام أكثر مما يتقنون ممارسة النضال الحقيقي.
المشكلة لا تكمن في الاختلاف في المواقف، ولا في تعدد المرجعيات، وإنما تبدأ حين يتحول النضال من قناعة ومبدأ إلى وسيلة لصناعة النفوذ وتحقيق المصالح الشخصية. عندها يصبح الخطاب الحقوقي أو السياسي أو الجمعوي مجرد جبة تُرتدى عند الحاجة، وتتحول القضايا العامة إلى أوراق للمساومة، والفضائح إلى أدوات للضغط، والمواقف إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.
والمثير للاستغراب أن بعض من يرفعون شعار محاربة الفساد ويقدمون أنفسهم باعتبارهم حراسًا للمال العام، تبدو حياتهم الخاصة، مع مرور الوقت، بعيدة كل البعد عن الصورة التي يرسمونها لأنفسهم أمام الناس. علاقات نافذة، امتيازات، أسفار، حضور في مناسبات مغلقة، وأحيانًا تحولات مادية يصعب تفسيرها فقط بشعارات النضال التي يرفعونها.
وما يُقال في العلن ليس دائمًا هو ما يجري في السر. ففي الكواليس تُعقد التفاهمات، وتُرسم التحالفات، وتُوزع الأدوار، وقد يتحول من كان بالأمس خصمًا شرسًا إلى حليف صامت، ومن كان يتحدث عن المبادئ إلى باحث عن موقع أو امتياز.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذا الحكم لا يمكن أن يُعمم. فما زال بيننا مناضلون حقيقيون لا تغريهم الشهرة، ولا المناصب، ولا الامتيازات. أشخاص اختاروا الطريق الأصعب، ودفعوا ثمن مواقفهم من راحتهم وأمنهم ومصالحهم، وظلوا أوفياء لقناعاتهم حين كان الانحناء أكثر أمانًا، والصمت أكثر ربحًا.
هؤلاء هم الذين يمنحون للنضال معناه الحقيقي؛ لأن النضال ليس خطبًا رنانة، ولا صورًا مع الشخصيات النافذة، ولا سفرًا إلى العواصم، ولا امتطاء موجة القضايا الساخنة. النضال موقف حين يكون الموقف مكلفًا، وضمير حين يصبح الضمير عبئًا، وثبات حين يكون التراجع أكثر فائدة.
أما أن يتحول النضال إلى مهنة، والحقوق إلى تجارة، والقضايا العامة إلى سلم للصعود الشخصي، فذلك ليس نضالًا مهما ارتفعت الشعارات، وإنما صورة أخرى من صور المتاجرة بمشاعر الناس وثقتهم.
وفي النهاية، قد تخدع الكلمات الجمهور لبعض الوقت، وقد تصنع الشهرة بعض الوجوه، لكن الزمن وحده كفيل بكشف الفرق بين من ناضل من أجل المبدأ، ومن جعل المبدأ وسيلة للنضال من أجل نفسه.