من الحمامة إلى التراكتور..صناعة النخب أم إعادة ترتيب المشهد؟

الانتفاضة/ محمد جرو

في أفق تشريعيات شتنبر المقبلة، يعود السؤال القديم في السياسة المغربية بثوب جديد: ماذا تحقق وماذا تغير؟ بين لفديك في ستينيات القرن الماضي، والحمامة في نهاية السبعينيات، وصولا إلى الجرار في الألفية الثالثة، يبدو أن الخيط الناظم لمسار طويل من إعادة تشكيل الحقل الحزبي لم ينقطع، بل أعاد إنتاج نفسه بأدوات ووجوه مختلفة. وكأن التاريخ السياسي للمغرب يتحرك في حلقات متتالية، تتبدل فيها الأسماء والشعارات، بينما تظل بنية العلاقة بين السلطة والأحزاب ثابتة في جوهرها.

حين قال الراحل الحسن الثاني إن من لا يتعلم من الماضي لا يرحمه المستقبل، كان يلخص إحدى حقائق السياسة: الذاكرة عنصر حاسم في فهم الحاضر.

وعبد الله العروي، المؤرخ الذي يذكر السياسيين بما يفضلون نسيانه، جعل من استحضار السياق التاريخي شرطا لأي تحليل جاد.

من هذه الزاوية، لا يمكن قراءة الاستحقاقات المقبلة بمعزل عن مسار بدأ مع تأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية سنة 1963 بدعم من السلطة، في لحظة احتدام الصراع بين المؤسسة الملكية وأحزاب الحركة الوطنية، خاصة بعد انشقاق الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عن حزب الاستقلال. كان الهدف واضحا: خلق توازن مضاد داخل المجتمع السياسي، أو ما يشبه “قوة مضادة” وفق تعبير ألتوسير، لضبط إيقاع ملعب سياسي شديد التوتر. استمر منطق “صناعة التوازن” في مراحل لاحقة، مع تأسيس التجمع الوطني للأحرار سنة 1978 بقيادة أحمد عصمان، في سياق البحث عن أغلبية مريحة تحاصر المعارضة وتعيد ترتيب المشهد البرلماني.

ثم عاد المنطق نفسه بصيغة جديدة سنة 2008 مع تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، انطلاقا من “حركة لكل الديمقراطيين”، في محاولة لإعادة تشكيل الخريطة الحزبية ومواجهة صعود الإسلاميين، الذين استثمروا بذكاء في العمل الاجتماعي والقرب من الفئات الهشة، مستفيدين من لحظة الربيع الديمقراطي سنة 2011. بين هذه المحطات، يتكرر مشهد استقطاب النخب الإدارية والتقنوقراطية ورجال الأعمال إلى قلب العمل الحزبي. إدريس جطو انتقل من عالم المال والصناعة إلى رئاسة الحكومة، ثم إلى المجلس الأعلى للحسابات. فؤاد عالي الهمة غادر وزارة الداخلية ليؤسس إطارا سياسيا أعاد رسم التوازنات. مصطفى الباكوري، صلاح الدين مزوار، عزيز أخنوش، وشكيب بنموسى، نماذج لمسار تتقاطع فيه الخبرة التقنية مع القرار السياسي. واليوم يتجه الاهتمام إلى فوزي لقجع، الذي راكم نفوذا في تدبير المالية العمومية والرياضة الوطنية والدولية، ويجد نفسه في قلب الترتيبات الحزبية، في مشهد يطرح مجددا سؤال العلاقة بين الكفاءة التقنية والشرعية السياسية، وبين الدولة والأحزاب. هذا المسار لا يمكن اختزاله في نظرية مؤامرة، لكنه يكشف طبيعة حقل سياسي لم تستطع أحزابه، بما فيها اليسارية، أن تفرض استقلالية كاملة في إنتاج نخبها وصياغة بدائلها.

هنا يبرز السؤال المؤلم: لماذا تراجع اليسار، الذي حمل في مرحلة تاريخية وعود العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة، إلى موقع هامشي في معادلة السلطة والتأثير؟ من السهل تعليق الإخفاق على شماعة الاستبداد أو الإمبريالية أو تغول الرأسمالية، وكلها عوامل حقيقية. لكن الاكتفاء بها يحول النقد إلى خطاب تبريري. الأزمة أعمق من ذلك: جزء منها مرتبط بطريقة تلقي الماركسية نفسها في السياق العربي والإفريقي. لقد تعامل كثيرون معها كمنظومة أجوبة جاهزة، لا كمنهج لتحليل واقع متغير.

بينما كان ماركس يعدل استنتاجاته وفق تحولات مجتمعه الصناعي، تم التعامل مع نصوصه كأنها نصوص مغلقة. المشكلة لم تكن في ماركس، بل في الماركسيين الذين حاولوا إسقاط أدوات تفسير أوروبا القرن التاسع عشر على مجتمعات تتشكل حول القبيلة والطائفة والدين والريف والاقتصاد غير المهيكل، أكثر مما تتشكل حول المصنع والطبقة العاملة الصناعية. بدلا من تطوير النظرية لتستوعب الواقع، جرى أحيانا تطويع قراءة الواقع ليتماشى مع النظرية. وهنا بدأت الهزيمة الفكرية قبل السياسية. فاليسار لم يخسر فقط معارك انتخابية، بل خسر جزءا من قدرته على التأطير الاجتماعي العميق، وترك فراغا ملأته حركات دينية أو شبكات أعيان أو قوى ليبرالية مدعومة برأسمال قوي.

في المقابل، لا يمكن إعفاء الدولة من مسؤوليتها التاريخية. فقد تشكلت الدولة الوطنية في سياق ما بعد الاستعمار، وسط هشاشة مؤسساتية واقتصاد ريعي وانقسامات اجتماعية عميقة. لم تكتمل شروط الدولة الحديثة كما في تجارب أخرى، وبقيت العلاقة بين السلطة والأحزاب محكومة بمنطق الضبط وإعادة التوازن أكثر من منطق التنافس البرامجي الحر.

وهكذا نشأ تفاعل دائري: دولة مأزومة تنتج حقلا حزبيا هشا، وحقل حزبي عاجز يعمق أزمة الثقة في الدولة. في هذا السياق، تبدو الانتخابات المقبلة بالنسبة إلى فئات واسعة مجرد محطة عابرة في زمن يومي مثقل بغلاء المعيشة والهشاشة الاجتماعية. بعض المواطنين ينسحب إلى اللامبالاة، وبعضهم يركب موجة “الفرص” التي تتيحها المواسم الانتخابية، حيث تتحول السياسة إلى سوق مؤقت للمصالح. وبين هؤلاء وأولئك، يحاول اليسار أن يعيد لملمة صفوفه، مستحضرا أسماء وتجارب برلمانية شكلت في لحظة ما صوتا مختلفا داخل المؤسسة التشريعية، لكنه يدرك أن الرصيد الرمزي وحده لا يكفي لصناعة المستقبل.

التجارب اليسارية التي نجحت في أمريكا اللاتينية أو في سياقات أخرى لم تنجح لأنها أكثر إخلاصا للنصوص، بل لأنها أعادت قراءة واقعها بجرأة، وطورت خطابا اجتماعيا متجذرا في حاجات الناس اليومية، ونسجت تحالفات واسعة دون أن تفقد هويتها. السؤال إذن ليس: هل فشل اليسار أم فشلت الدولة؟ بل كيف يمكن تجديد العلاقة بين الفكر والواقع، بين التنظيم والمجتمع، بين البرنامج والعيش اليومي للمواطن؟ التاريخ لا يكافئ أكثر الأفكار طهرا ولا أكثر الشعارات صخبا، بل يكافئ الأكثر قدرة على الفهم والتكيف والمراجعة. الدول لا تبنى بالنيات، والأحزاب لا تعيش على الذاكرة وحدها. ما لم تتجدد الأدوات، وتفتح ورشات نقد ذاتي عميق، ويعاد ربط السياسة بالهم الاجتماعي المباشر، سيظل المشهد يدور في الحلقة نفسها: إعادة توزيع للأدوار داخل بنية لم تتغير جذريا. في أفق شتنبر، قد تتبدل التحالفات وتعاد صياغة الأغلبية، لكن التحدي الحقيقي أبعد من صناديق الاقتراع. إنه سؤال بناء دولة حديثة مكتملة الشروط، وحقل سياسي قادر على إنتاج نخب مستقلة وبرامج قابلة للتحقق، ويسار يعيد اكتشاف روحه النقدية بدل الاحتماء بنصوص الماضي. وحده هذا المسار يمكن أن يجعل من الانتخابات لحظة معنى، لا مجرد محطة في سباق طويل يعيد إنتاج نفسه.

التعليقات مغلقة.