الانتفاضة/ محمد جرو
أثار النائب البرلماني الدكتور عبد الرحيم بن بوعيدة، عن حزب الاستقلال، موجة من التفاعل والنقاش، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، منذ فوزه بمقعد برلماني عن دائرة كلميم خلال انتخابات سنة 2021. ومنذ ذلك الحين، واصل حضوره في المشهد العمومي من خلال تدخلاته عبر فيديوهات وتدوينات يتناول فيها قضايا وطنية ومحلية وجهوية تحظى باهتمام الرأي العام. وبعد تداول أخبار تفيد بإمكانية ترشحه للاستحقاقات التشريعية المقبلة بمدينة مراكش، حيث يقيم ويمارس مهامه أستاذا جامعيا، سرعان ما تم نفي هذه المعطيات، دون أن يصدر أي تأكيد رسمي بشأنها إلى حدود كتابة هذه السطور. وفي المقابل، تتداول أوساط سياسية بجهة كلميم وادنون، مسقط رأسه ومجال ارتباطه العائلي، أن اسم بن بوعيدة لم يرد، إلى حدود الآن، ضمن قائمة مرشحي حزب الاستقلال بالجهة.
وبين هذه المعطيات المتداولة، يطرح الرأي العام المحلي والوطني، خاصة بالجهات الصحراوية، عدة تساؤلات حول خلفيات هذا الوضع، فهل يتعلق الأمر بـعقاب سياسي للدكتور بن بوعيدة بسبب بعض مواقفه وآرائه، خصوصا بعد تدوينته الأخيرة التي أثارت نقاشا واسعا؟ أم أن الأمر يدخل في إطار إعادة ترتيب البيت الداخلي لحزب الاستقلال، في انتظار أدوار أخرى قد تناسب مكانة الرجل وحضوره داخل مختلف الأوساط السياسية والاجتماعية بالجهات الصحراوية الثلاث وخارجها، خاصة في ظل المرحلة التي يستعد فيها المغرب لتنزيل مقتضيات مبادرة الحكم الذاتي في سياق التطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797؟
وكانت تدوينة بن بوعيدة، التي جاءت عقب الإعلان عن تزكيات حزب الاستقلال، قد فتحت الباب أمام العديد من التأويلات، بعدما اعتبر متابعون أنها تحمل رسائل ذات أبعاد سياسية، خصوصاً أنها نشرت في وقت لم يرد فيه اسم الرجل ضمن اللوائح المعلنة، سواء بجهة كلميم وادنون أو بجهة مراكش. كما أثار هذا التزامن بين نشر التدوينة وغياب اسم بن بوعيدة عن قوائم التزكيات تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي حملتها؛ فهل كانت تعبيرا عن موقف مرتبط بعدم إدراج اسمه ضمن لوائح الحزب، أم أنها تتجاوز ذلك لتشكل إشارات سياسية مرتبطة بسياق أوسع؟
تدوينة الدكتور عبد الرحيم بوعيدة
بوعيدة يكتب: اعترافات سياسي “فاشل”
كلُّ منصبٍ يطرح على الإنسان سؤالًا واحدًا، لكنه أخطر من كل أسئلة التاريخ: ماذا يمكن أن تبيع من نفسك، مقابل أن تبقى في القمة؟
بعضهم يبيع صوته، وبعضهم يبيع ذاكرته، وبعضهم يبيع وطنًا كاملًا على دفعاتٍ صغيرة لا يشعر بها أحد..
أما أنا، فقد ارتكبت الحماقة الأكبر.. احتفظتُ بنفسي.. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أحمل لقبًا يتداوله المنتصرون باستخفاف: السياسي الفاشل..
لكن أيّ فشلٍ هذا الذي يجعل صاحبه ينام خفيف القلب، بينما يثقل المال صدور الآخرين؟
دخلتُ السياسة سنة 2011، ولم يكن في حقيبتي مشروعُ ثراء، بل إيمانٌ ساذج بأن السياسة يمكن أن تكون فعلًا أخلاقيًا، لا تجارةً يتقنها السماسرة..
كنت أؤمن بسذاجة العاشقين، أن الفكرة تستطيع أن تهزم المال، وأن الكلمة إذا خرجت من قلبٍ صادق، ستجد طريقها إلى قلوب الناس.
وقفتُ في مواجهة محترفين لا يلعبون السياسة، بل يتقنون هندسة النفوذ.. كانوا يعرفون أن الانتخابات لا تُحسم دائمًا عند صناديق الاقتراع، بل قبلها بكثير، في الأماكن التي لا تصلها الكاميرات ولا يجرؤ التاريخ على تدوينها.
ومع ذلك منحني الآلاف ثقتهم.. كان ذلك كافيًا لأفهم أن الناس لا يفقدون إيمانهم بالصدق، لكنهم يُرهَقون بطول الخيبة.. وأن الحقيقة قد تخسر معركة، لكنها لا تتنازل عن حقها في البقاء..
وكان يكفي أن أمدّ يدي نحو من يعرف كيف يساوم، حتى تتغيّر حياتي إلى الأبد.. لكنني أدركت مبكرًا أن أول صفقة يعقدها الإنسان مع ضميره ليست صفقةً عابرة، بل بداية خسارته لنفسه..
ثم جاءت رئاسة الجهة..
لم أسعَ إليها كما يسعى الصياد إلى فريسته، بل جاءتني كما تأتي الأقدار التي تضع الإنسان أمام امتحانٍ لا أمام جائزة.. ظننت للحظةٍ قصيرة أن التاريخ يمنح فرصة نادرة لإثبات أن الإدارة يمكن أن تكون شريفة، وأن المنصب يستطيع أن يكون خدمةً لا غنيمة.
كنت مخطئًا..
خرجتُ من التجربة أكثر فقرًا مما دخلتها، لا لأن المال اختفى، بل لأن النزاهة في السياسة تُدفع من الرصيد الشخصي، لا من الخزينة العامة.. بينما كان آخرون يغادرون المناصب وقد تحوّلت سنوات المسؤولية في حياتهم إلى استثماراتٍ خاصة، كأن الوطن لم يكن سوى شركةٍ مغلقة، وكأن المنصب دفترُ شيكاتٍ مفتوح لمن يعرف كيف يوقّع في الظلام.
قيل لي كثيرًا إن السياسة لا تُمارس بالقيم، وإن المبادئ تصلح للخطب، لا لإدارة المصالح.. وقيل لي إن الفرصة إذا مرّت ولم أغتنمها فلن تعود.
وربما كانوا على حق..
فالفرص التي كانوا يقصدونها لا تزور إلا الذين لا يطرحون الأسئلة على ضمائرهم..
أما أنا، فكنت أخشى أن أربح العالم كله، ثم أعجز عن النظر في عينيّ كل صباح.
وحين حان وقت الرحيل، فُتحت أمامي أبوابٌ كثيرة بعضها من ذهب، وبعضها من نفوذ، وبعضها من صمتٍ مأجور.
وأغلقتها كلها..
ليس لأنني بطل، فالأبطال أقل عددًا مما تتخيل الروايات، بل لأن الإنسان حين يبيع صوته مرة، يقضي ما تبقى من عمره يبحث عنه بين أصوات الآخرين.
لهذا: أنا سياسيٌّ فاشل..
فشلت لأنني لم أتعلم كيف تتحول المناصب إلى أرصدة، وكيف تتحول الثقة إلى صفقات، وكيف يصبح الصمت استثمارًا يدرُّ الأرباح..
فشلت لأنني غادرت كل موقعٍ دخلته، ولم أغادره محمّلًا بما يكفي من العقارات والحسابات والامتيازات ليقال إنني كنت “سياسيًا ناجحًا”..
فشلت لأن راتبي ما زال يعرف طريق القروض، بينما يعرف غيره طريق الثروات التي لا يفسرها راتب ولا وظيفة.
فشلت لأنني لم أعتبر المسؤولية موسمًا للحصاد الشخصي، ولا الناس سلّمًا للصعود، ولا المال العام غنيمةً يتقاسمها الأقوياء.
لكنني نجحت في شيءٍ واحد..
لم أستيقظ يومًا خائفًا من وثيقة، ولا من تسجيل، ولا من حسابٍ مخفي، ولا من بابٍ قد يُطرق مع الفجر..
نجحت لأنني، كلما وقفت أمام المرآة، وجدت الرجل نفسه الذي دخل السياسة قبل سنوات؛ أقلَّ مالًا، وأكثرَ تعبًا، لكنه لم يحتج يومًا إلى أن يشيح بعينيه عن نفسه..
لذلك، إذا كان هذا الزمن لا يعترف إلا بمن جمع أكثر، لا بمن صان أكثر.. وإذا كانت الاستقامة تُسجَّل في خانة السذاجة، والنزاهة في خانة الفشل..
فإني أقبل الحكم..
لا كوصمةٍ أخجل منها.. بل كشهادةٍ أعتز بها..
إذا كانت النزاهة فشلًا.. فليشهد التاريخ أنني كنت، وسأبقى، ذلك السياسي الفاشل…
د.عبد الرحيم بوعيدة
التعليقات مغلقة.