الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
يشكل التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية والحفاظ على جودة الحياة داخل الأحياء السكنية أحد أبرز التحديات التي تواجه المدن المغربية في ظل التوسع العمراني المتسارع. وفي هذا الإطار، عبر مكتب اتحاد الملاك المشتركين لإقامة نفيس 3 بمدينة مراكش، نيابة عن ساكنة الإقامة، عن تطلعه إلى تدخل السلطات المحلية والولائية لإيجاد صيغة توافقية تضمن إنجاز مشروع التوسعة المبرمج، مع المحافظة في الوقت نفسه على الطابع المغلق للإقامة باعتباره أحد العناصر الأساسية التي أسهمت في تحقيق الأمن والاستقرار وجودة العيش داخل هذا الفضاء السكني.
وجاء هذا المطلب ضمن مراسلة رسمية وجهها مكتب اتحاد الملاك المشتركين إلى والي جهة مراكش آسفي وعامل عمالة مراكش، وإلى قائد مقاطعة إسيل، أكد فيها أن الساكنة لا تعارض مشاريع التنمية أو تحسين البنية التحتية، بل تعتبرها ركيزة أساسية لمواكبة النمو العمراني الذي تعرفه مدينة مراكش. غير أن الاتحاد شدد على أهمية مراعاة خصوصية الإقامة وإيجاد حلول تقنية وقانونية تسمح بتنفيذ مشروع التوسعة دون المساس بالطابع المغلق الذي يميزها منذ سنوات.
وتعد إقامة نفيس 3 من بين الإقامات السكنية التي استطاعت أن ترسخ نموذجا ناجحا في مجال التدبير المشترك، حيث يشير ممثلو الساكنة إلى أن الإقامة تمكنت، بفضل تعاون الملاك واحترامهم للقوانين المنظمة للملكية المشتركة، من تحقيق مستوى متقدم من التنظيم والعناية بالمرافق الجماعية. كما حصلت الإقامة على جائزتين في مجال الإقامات السكنية، وهو ما يعتبره الاتحاد اعترافا بالمجهودات المبذولة للحفاظ على نظافة الفضاءات المشتركة، وجودة الخدمات، وحسن تدبير المرافق، وتعزيز ثقافة التعايش بين السكان.
ويرى أعضاء المكتب أن الحفاظ على هذا النموذج يتطلب مراعاة الخصوصيات التي ساهمت في نجاحه، وفي مقدمتها استمرار الإقامة كفضاء سكني مغلق يوفر شروط الأمن والطمأنينة لقاطنيه. فالإقامة، بحسب المراسلة، لا تمثل مجرد تجمع سكني، بل فضاء متكاملا يعتمد على منظومة تنظيمية وإدارية تضمن حسن السير اليومي، وتحافظ على الممتلكات المشتركة، وتوفر بيئة مناسبة للعائلات والأطفال.
وتبرز الرسالة كذلك الجانب الاجتماعي والاقتصادي الذي تؤديه الإقامة، إذ توفر فرص شغل مباشرة لفائدة عدد من العاملين، من بينهم ستة حراس للأمن الخاص، إلى جانب بستاني وعاملات للنظافة، وهو ما يجعلها مصدر دخل لعدد من الأسر. ويرى الاتحاد أن أي تغيير قد يؤثر على نظام الإقامة أو طبيعة تدبيرها ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الجوانب الاجتماعية، لما لها من انعكاسات على استقرار العاملين واستمرارية الخدمات المقدمة داخل الإقامة.
كما تؤكد الساكنة أن الطابع المغلق للإقامة يمثل عاملا أساسيا في توفير بيئة آمنة للأطفال، حيث تتيح الفضاءات الداخلية إمكانية اللعب وممارسة الأنشطة اليومية بعيدا عن حركة السير ومخاطر الطرق. ويعتبر السكان أن هذا المعطى يكتسي أهمية خاصة في ظل التوسع العمراني والكثافة المرورية التي تعرفها العديد من الأحياء، الأمر الذي يجعل من الحفاظ على فضاءات آمنة للأطفال مطلبا مشروعا ينسجم مع الحق في بيئة سليمة وآمنة.
ولا يقتصر الأمر على أمن الأطفال فقط، بل يشمل أيضا حماية الممتلكات الخاصة والمرافق المشتركة، إذ يشير اتحاد الملاك إلى أن نظام المراقبة المعتمد داخل الإقامة ساهم في تعزيز الإحساس بالأمن لدى السكان، والحد من مختلف السلوكيات التي قد تمس بالممتلكات أو بالنظام العام داخل الفضاء السكني. كما أن وجود حراس أمن بشكل دائم وتنظيم عملية الولوج إلى الإقامة يشكلان، وفق المراسلة، جزءا من منظومة متكاملة أثبتت نجاعتها على امتداد السنوات الماضية.
وفي الوقت الذي يجدد فيه اتحاد الملاك دعمه لمشروع التوسعة الذي برمجته الجهات المختصة، فإنه يؤكد أن مطلب الساكنة لا يتمثل في عرقلة المشروع أو الاعتراض عليه، وإنما في البحث عن حلول عملية تحقق المصلحة العامة وتحافظ في الوقت نفسه على المكاسب التي راكمتها الإقامة. ويقترح المكتب إعادة تهيئة السياج والأبواب وفق الحدود التي تسمح بها الدراسات التقنية والقانونية، بما يضمن استمرار الطابع المغلق للإقامة دون التأثير على الأشغال المبرمجة أو الأهداف التنموية للمشروع.
ويؤكد ممثلو الساكنة أن هذا المقترح يعكس رغبة حقيقية في التعاون مع السلطات المحلية ومختلف المتدخلين، بعيدا عن أي منطق للمواجهة أو التعطيل، انطلاقا من قناعة مفادها أن الحوار والتشاور يظلان السبيل الأمثل لإيجاد حلول متوازنة تستجيب لمتطلبات التنمية وتحترم في الوقت ذاته حقوق السكان ومصالحهم المشروعة.
وفي هذا السياق، دعا اتحاد الملاك السلطات المختصة إلى إيفاد لجنة ميدانية للوقوف على خصوصية الإقامة ومعاينة الوضع على أرض الواقع، بما يسمح باتخاذ القرار المناسب بناء على معطيات تقنية دقيقة. ويرى المكتب أن الزيارة الميدانية من شأنها أن تمكن المسؤولين من الاطلاع على طبيعة التنظيم الداخلي للإقامة، ومستوى الخدمات التي توفرها، والدور الذي يلعبه الطابع المغلق في الحفاظ على الأمن والاستقرار وجودة العيش.
كما يعبر سكان إقامة نفيس 3 عن ثقتهم في حرص السلطات الولائية والمحلية على اعتماد مقاربة تشاركية في معالجة هذا الملف، تقوم على الإنصات إلى مختلف الأطراف المعنية، وإيجاد حلول تضمن تحقيق التنمية العمرانية دون الإضرار بحقوق المواطنين أو المساس بالاستقرار الذي تنعم به الإقامة منذ سنوات. ويؤكد الاتحاد أن نجاح مشاريع التهيئة الحضرية لا يقاس فقط بإنجاز البنيات التحتية، بل أيضاً بمدى قدرتها على المحافظة على جودة الحياة واحترام خصوصية الفضاءات السكنية المنظمة.
وتبرز هذه المبادرة، في نظر متابعين، أهمية الحوار بين السلطات والساكنة في تدبير المشاريع ذات البعد العمراني، خاصة عندما يتعلق الأمر بإيجاد التوازن بين متطلبات المصلحة العامة والحقوق المشروعة للمواطنين. فالتنمية المستدامة، في مفهومها الحديث، تقوم على إشراك مختلف الفاعلين في اتخاذ القرار، وضمان أن تكون المشاريع المنجزة قادرة على تحقيق المنفعة الجماعية دون المساس بالاستقرار الاجتماعي أو الأمن أو جودة العيش.
وفي ختام مراسلتهم، جدد أعضاء مكتب اتحاد الملاك المشتركين لإقامة نفيس 3، باسم جميع السكان، دعوتهم إلى التفاعل الإيجابي مع هذا الطلب، معبرين عن أملهم في أن يتم اعتماد حل توافقي يحافظ على خصوصية الإقامة ويضمن تنفيذ مشروع التوسعة في أفضل الظروف. كما عبروا عن ثقتهم في حكمة السلطات المحلية والولائية وحرصها على الإنصات لمطالب المواطنين، بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية الحضرية وصون أمن الساكنة واستقرارها، ويكرس نموذجا ناجحا للتعاون بين الإدارة والمواطن في خدمة المصلحة العامة.