جيل بلا زواج.. من سرق حلم الأسرة من الشباب المغربي؟

0

الانتفاضة / نورالهدى العيساوي

لم يعد تأجيل الزواج والإنجاب في المغرب مجرد تحول في أنماط العيش أو انعكاس لتغير العقليات، كما يروج أحيانا، بل أصبح مؤشرا على أزمة اجتماعية واقتصادية تتسع عاما بعد آخر. فجيـل كامل وجد نفسه يؤجل أحد أهم القرارات في حياته، ليس لأنه فقد الإيمان بالزواج أو لم يعد يرغب في تكوين أسرة، وإنما لأن الطريق إلى هذا الحلم بات مليئا بالعوائق التي جعلت الزواج بالنسبة إلى كثيرين مشروعا مؤجلا، وربما مستحيلا.

ولسنوات طويلة، كان المجتمع المغربي يعتبر الزواج محطة طبيعية في مسار الشباب، بل معيارا للاستقرار والنضج الاجتماعي. أما اليوم، فقد تغير المشهد بشكل لافت؛ فمتوسط سن الزواج ارتفع، ومعدلات الإنجاب تراجعت، وعدد الأسر الجديدة لم يعد يواكب النمو الديموغرافي كما كان في السابق. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تغير الشباب فعلا، أم أن الدولة والاقتصاد والمجتمع هم الذين غيروا قواعد اللعبة؟

من السهل اتهام الشباب بالأنانية أو بالسعي وراء الرفاهية وتأجيل تحمل المسؤولية، لكن هذه القراءة تتجاهل واقعا أكثر قسوة. فكيف يمكن مطالبة شاب بالزواج وهو عاجز عن الحصول على عمل قار؟ وكيف يمكن الحديث عن الإنجاب في ظل ارتفاع أسعار السكن والمواد الغذائية والتعليم والرعاية الصحية؟ وكيف يمكن بناء أسرة بينما تتحول الأجور إلى مجرد وسيلة للبقاء، لا لبناء المستقبل؟

لقد أصبح الزواج في المغرب مكلفا إلى درجة غير مسبوقة. فتكاليف السكن وحدها تستنزف جزءا كبيرا من دخل الأسر، فيما تحولت حفلات الزفاف، في كثير من الحالات، إلى سباق استهلاكي تحكمه المظاهر أكثر مما تحكمه القيم. وبين ضغوط المجتمع الذي يطالب بزفاف “مثالي”، وسوق يرفع الأسعار باستمرار، يجد الشباب أنفسهم أمام معادلة مستحيلة: إما الاستدانة لسنوات، أو تأجيل الزواج إلى أجل غير معلوم.غير أن الأزمة لا تقف عند حدود القدرة الشرائية، بل تمتد إلى اختلالات أعمق في السياسات العمومية. فالمغرب يتحدث باستمرار عن تشجيع الأسرة وعن أهمية الرأسمال البشري، لكنه في المقابل لا يوفر، بالقدر الكافي، الشروط التي تجعل تكوين الأسرة قرارا قابلا للتحقق. فلا توجد برامج واسعة وفعالة لتيسير ولوج الشباب إلى السكن، ولا حوافز مالية أو ضريبية تشجع الأزواج الجدد، بينما تستمر هشاشة سوق الشغل في دفع آلاف الشباب إلى العمل غير المستقر أو الهجرة أو البطالة.

وفي الوقت نفسه، تغيرت أولويات الشباب بفعل تحولات المجتمع نفسه. فالمرأة المغربية أصبحت أكثر تعليما وحضورا في سوق العمل، ولم تعد تقبل أن يكون الزواج نهاية طموحها المهني، كما أصبح الشباب يبحث عن شراكة قائمة على التفاهم والاستقرار، لا مجرد استجابة لضغط اجتماعي. وهذه التحولات ليست أزمة في حد ذاتها، بل تعكس تطورا طبيعيا في المجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما تصطدم هذه الطموحات بواقع اقتصادي لا يمنح الحد الأدنى من الأمان.

كما لا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في تحويل الزواج، لدى فئة واسعة، إلى مشروع استعراضي أكثر منه مؤسسة اجتماعية. فحفلات فاخرة، وهدايا باهظة، وشهر عسل مكلف، ومنزل مجهز بأحدث التجهيزات… كلها صور خلقت معايير جديدة، وجعلت الكثير من الشباب يشعرون بأن الزواج يتطلب إمكانيات تفوق قدراتهم الحقيقية. وهكذا، لم يعد الخوف من الفقر وحده يؤجل الزواج، بل الخوف من عدم القدرة على مجاراة صورة مثالية يصنعها العالم الرقمي.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع لا يهدد الأفراد فقط، بل يضع المجتمع أمام تحديات ديموغرافية حقيقية. فالإسقاطات السكانية تشير إلى أن المغرب يتجه نحو انخفاض الخصوبة وارتفاع نسبة كبار السن، وهو ما يعني مستقبلا تقلص عدد السكان النشطين، وازدياد الضغط على أنظمة التقاعد والصحة والحماية الاجتماعية. وإذا استمر تأجيل الزواج والإنجاب بالوتيرة نفسها، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام خلل ديموغرافي ستكون كلفته الاقتصادية والاجتماعية أكبر بكثير من كلفة معالجة الأسباب اليوم.

إن اختزال الظاهرة في “تغير العقليات” أو “تأثر الشباب بالثقافات الغربية” هو تبسيط مخل. فالشباب المغربي لا يرفض الأسرة، بل يرفض أن يدخلها وهو عاجز عن توفير أبسط شروط الكرامة والاستقرار. وما يبدو في الظاهر اختيارا شخصيا، يخفي في العمق شعورا متزايدا بعدم اليقين تجاه المستقبل.

ولعل المفارقة الأكثر إثارة أن الخطاب الرسمي يدعو إلى تعزيز مؤسسة الأسرة، في الوقت الذي تجعل فيه المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية تحقيق هذا الهدف أكثر صعوبة. فحماية الأسرة لا تبدأ بالشعارات، وإنما بسياسات تضمن السكن اللائق، والشغل الكريم، والدخل الكافي، والعدالة الاجتماعية، لأن الأسرة لا تُبنى بالرغبة وحدها، بل تحتاج إلى بيئة تمنح الشباب الثقة في الغد.

في النهاية، لم يتغير الشباب المغربي بالقدر الذي تغيرت فيه الحياة من حوله. فالأسرة ما تزال حلما لدى أغلبهم، لكن هذا الحلم يصطدم يوميا بواقع اقتصادي يزداد قسوة، وبمجتمع يرفع سقف التوقعات، وبسياسات لم تنجح بعد في تحويل حق تكوين الأسرة من أمنية مؤجلة إلى إمكانية حقيقية. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: لماذا يؤجل الشباب الزواج؟ بل لماذا أصبح الزواج نفسه امتيازا لا يقدر عليه إلا من يملك شروطا اقتصادية لم تعد متاحة للجميع؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.