الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في مشهد يتكرر صيفاً وشتاءً على مشارف القرى الجبلية، يقف الصوف الخام شاهداً على مفارقة مؤلمة. ذلك الكنز الناعم الذي كان يُشكّل العمود الفقري للاقتصاد القروي، ويُضفي على البيوت دفئها وزينتها، صار اليوم يُلقى في الشعاب والوديان كمادة زائدة لا تجد مُشترياً. لم يعد الأمر مجرد تغيّر في الأذواق، بل تحوّل جذري في نظرة المجتمعات إلى تراثها المادي، بعدما انقلبت الموازين وأصبح ما كان يُعدّ ثروة حقيقية مجرد شوائب بيئية تفسد جمال الطبيعة وتُهدد التوازن في الفضاءات الرعوية.
كان الصوف، في العقود الماضية، أكثر من مجرد مادة أولية؛ لقد كان عنصراً محورياً في منظومة الاكتفاء الذاتي القروي، حيث كانت النساء تُحوّل خيوطه إلى زرابي وأغطية وجلابيب تحمل بصمات هوية قبلية متوارثة. هذه الصناعة اليدوية لم تكن تقتصر على تلبية الحاجيات المنزلية، بل كانت نشاطاً اقتصادياً موازياً يُدرّ دخلاً مادياً للأسر، ويُعزز مكانة المرأة كشريك أساسي في دورة الإنتاج المحلية. كما كانت جودة الصوف مقياساً يُحتذى به في المفاضلة بين القطعان، مما جعل منه سلعة نادرة القيمة وقصيدةً منسوجةً بخيوط التعب والجمال معاً.
ومع توالي موجات الانفتاح التجاري وتدفق البدائل الصناعية الرخيصة، بدأت ملامح هذه الحرفة في التآكل. الأغطية البلاستيكية والألياف الاصطناعية، التي تقدم أسعاراً تنافسية وتصاميم موحّدة، سرقت الأضواء من دفء الصوف الطبيعي وعيوبه الجمالية التقليدية. هذه المتغيرات الاستهلاكية، التي تزامنت مع هجرة اليد العاملة الشابة نحو المدن، تسببت في قطيعة معرفية بين الأجيال الحالية وفنون الغزل التقليدية، تاركةً الرعاة وحدهم يواجهون وفرة إنتاج لا يطلبها سوق ولا يُقدّرها جيل جديد، فكان التخلي عن الصوف هو الخيار الأسهل لإرهاق التكاليف دون عائد.
اليوم، يتحول مشهد “العزيب” – تلك البقعة التي يأوي إليها الرعاة في المرتفعات – إلى لوحة حزينة تتكدس فيها كتل الصوف المتناثرة بين الصخور والأشواك، وكأنها شهادات ميلاد ضائعة لهوية مُهانة. إن تحلّل هذه المادة العضوية ببطء في الطبيعة، رغم كونه عضويّاً، يخلق تشويهاً بصرياً فظيعاً ونفايات يصعب التخلص منها بوسائل بسيطة، ناهيك عن أن هذه الممارسة تعكس أزمة أعمق تتعلق بعدم قدرة المجتمعات المحلية على إعادة تدوير موروثها أو إيجاد أسواق بديلة له، مما يُدخل المادة في نفق القيمة المقلوبة.
ليس الحل في استعادة الماضي بحذافيره، بل في إعادة قراءة قيمة الصوف في سياق معاصر يُراعي معايير الاستدامة والاقتصاد الدائري. هناك فرص واعدة اليوم لتطوير منتجات الصوف الفاخرة الموجهة للأسواق العالمية، أو استخدامه كعازل طبيعي في البناء الأخضر، أو حتى استثماره في صناعات الأسمدة العضوية. إن إحياء هذه المادة لا يتطلب حنيناً عاطفياً فحسب، بل يستدعي سياسات داعمة للتعاونيات، وتدريباً مهنياً يُحدث التوازن بين العرض الرعوي والطلب الاستهلاكي. فالصوف ليس تافهة غارقة في الماضي، بل هو فرصة تنموية وبيئية لا تزال تنتظر من يُخرجها من قمم الجبال إلى واجهة الاقتصاد الوطني، بدل أن تظل شاهدةً على تقاعس جماعي عن استثمار ما تمنحه الطبيعة بأجود ما لديها.


