الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
مع مطلع كل شهر ميلادي جديد، تستيقظ في النفوس آمال متجددة، غير أن لحظة تسلم الراتب الشهري تتحول بسرعة إلى اختبار عملي في فن التدبير المالي، حيث تجد الأسر نفسها أمام معادلة حسابية دقيقة لا تحتمل التبذير أو التأجيل. فما إن يصل المبلغ إلى الحساب البنكي، حتى تتسابق قائمة طويلة من الالتزامات الثابتة والمتغيرة، تتصدرها فواتير السكن والمواد الغذائية الأساسية والتزامات صحية، ليكتشف رب الأسرة أن هذه المداخيل، التي كانت تشكل في وقت مضى غطاءً مريحاً للاحتياجات، أصبحت اليوم عاجزة عن مجاراة وتيرة الارتفاع المتصاعد في أسعار السوق، مما يحتم إعادة ترتيب الأولويات بأسلوب يجمع بين الضرورة القصوى والتخطيط الدقيق.
وفي خضم هذه التحولات، يمارس المواطن يومياً صنوفاً من التكيف والمرونة، إذ تتحول قوائم التسوق الأسبوعية إلى وثائق مراجعة مستمرة، يراجع من خلالها خياراته بين السلع البديلة ويساوم في أسعار الخدمات، فيما تتقلص المساحات المخصصة للترفيه والتعليم والادخار، لتحل محلها حسابات أكثر إلحاحاً تتعلق بالحد الأدنى من متطلبات البقاء. ولا تقتصر هذه المعاناة الصامتة على شريحة دون أخرى، بل تنسحب لتشمل مشهداً يومياً يعكس صموداً مجتمعياً حقيقياً، حيث يتحول البحث الدؤوب عن العروض والأسعار المخفضة إلى سلوك معيشي متأصل، يرافق الأسر في رحلتها الشهرية بين بداية الموارد ونهايتها.
وإزاء هذه الضغوط اليومية، تتركز أنظار الأسر على السياسات الاقتصادية المرسومة بعناية من قبل المؤسسات المعنية، التي تواصل جهودها في ضبط النسق التضخمي ورسم معالم استقرار نقدي تدريجي، من خلال حزمة من الإصلاحات الهيكلية وتشجيع الاستثمار ودعم القطاعات الإنتاجية الحيوية. وتظل الغاية المنشودة لهذه التحركات هي صون القدرة الشرائية للمواطن على المدى المتوسط، إلى جانب خلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب المزيد من فرص الشغل، وهو ما يمثل الرهان الأكبر الذي تشتغل عليه الجهات المسؤولة، سعياً إلى تقليص الهوة بين الدخل الشهري ومتطلبات العيش الكريم، دون إغفال البعد الاجتماعي في كل سياسة تنموية.
وتبقى الأسرة، بتماسكها وتضامنها الداخلي وقدرتها الفائقة على التكيف، هي الضمانة الأكثر صلابة في مواجهة هذه المتغيرات، محتفظة بجذوة أمل لا تخبو، واثقة بأن مسار الإصلاحات يسير في اتجاه تحسين الأوضاع، مهما بدت الخطوات بطيئة أمام تسارع متطلبات الحياة اليومية. وهكذا، ومع نهاية كل شهر وبداية آخر جديد، تتجدد هذه الرحلة المزدوجة التي تمزج بين الواقع المفروض والطموحات المنتظرة، رحلة تعلم فيها الأسر أن الانتظار لا يعني الجمود، بل هو استشراف واعٍ لغد أفضل، يراهن فيه الجميع – مواطناً ومؤسسات – على تضافر الجهود لتخفيف الأعباء، وبناء مستقبل اقتصادي أكثر توازناً وإنسانية.