سرّ أهرامات التبن في قلعة السراغنة: قشرة ترابية تحرس مخزون السنوات

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في مشهد يأسر الأنظار وسط سهول إقليم قلعة السراغنة، تنتصب أهرامات المعروفة بإسم “النادر” أو “القربوس” كمعالم صامتة تروي عبقرية فلاحية مغربية فريدة. هذه الهياكل التبنية الضخمة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد أكوام عشوائية، تخفي في طياتها هندسة تدبيرية دقيقة، تمكن الفلاح من الحفاظ على علف الماشية لسنوات طويلة، بفضل تقنية تعتمد على التقسيم الذكي بين القلب والغطاء.

يكمن جوهر هذا الفن في الطريقة المدروسة التي يُشاد بها البناء، والتي تختلف جذرياً عن التصور السائد. فالفلاح القلعي لا يبني النادر ككتلة واحدة مخلوطة بالتراب من الداخل والخارج، بل يعتمد أسلوباً هندسياً دقيقاً يقوم على مرحلتين متكاملتين. يبدأ بتكوين قلب هرمي ضخم من التبن الجاف النظيف الخالص، يُرص ويُدك بعناية ليشكل البنية الأساسية للهرم، دون أن يخالطه أي تراب في هذه المرحلة الأولية.

بعد اكتمال بناء الكتلة التبنية الداخلية، ينتقل الفلاح إلى المرحلة الأكثر حسماً، حيث يقوم بخلط كمية من التبن بالتراب بنسب متقنة، ليصنع عجينة أو مونة خاصة. تُوضع هذه الخلطة بعناية فوق سطح الهرم التبني بالكامل، لتشكل طبقة خارجية سميكة ومتماسكة، أشبه بثوب أو قشرة تحيط بالجسم الداخلي. تُدك هذه القشرة المختلطة بإحكام وتُملس، لتنكمش وتتصلب تحت حرارة الشمس، متحولة إلى غلاف صلب ومقاوم.

يؤدي هذا الغلاف الخارجي المكون من التبن والتراب دوراً محورياً في الحفاظ على جودة العلف المخزن. فهو بمثابة حاجز عازل محكم، يمنع تسرب مياه الأمطار والرطوبة الجوية إلى قلب الهرم، كما يصد هجمات الحشرات والقوارض، ويحد من تدفق الهواء الذي قد يتسبب في التعفن أو الاشتعال الذاتي. نتيجة لهذه العبقرية البسيطة، يظل التبن الداخلي الخالص محفوظاً في بيئة جافة ومعقمة، قادراً على تغذية المواشي لسنوات، حتى في فترات الجفاف القاسية.

تعكس هذه التقنية الذكية فهماً عميقاً لتدبير الموارد المتاحة. فالفلاح يستفيد من التبن الزائد عن الحاجة ليصنع غلافه الواقي، ويوظف التراب المتوفر في أرضه، مستغنياً تماماً عن الخشب أو مواد البناء المكلفة. هذه الدائرة المغلقة تجعل من “النادر” أو “القربوس” نموذجاً مثالياً للفلاحة المستدامة، حيث يُحول الفلاح أبسط عناصر الطبيعة إلى خزان علفي متين، بتكلفة شبه معدومة.

رغم هذه المزايا الاستثنائية، يواجه هذا الموروث الفلاحي النادر خطر الاندثار تحت وطأة الحداثة وشح اليد العاملة الملمة بأسراره. إن تقنية بناء القشرة الخارجية المخلوطة لحماية قلب التبن النقي هي كنز معرفي وهندسي، يستحق التوثيق والدراسة، ليس فقط كإرث ثقافي، بل كدرس في التكيف والابتكار يصلح لأن يُستلهم في نظم التخزين الحديثة. في كل هرم من هذه الأهرامات المتواضعة، قصة عن فطنة مغربية جعلت من التراب حارساً للكلأ، ومن التبن كنزاً مدخراً لأيام العسر.

التعليقات مغلقة.