الانتفاضة
أعاد القرار الأخير الصادر عن محكمة الاستئناف الإدارية بمراكش بعد الإحالة من محكمة النقض فتح نقاش قانوني وسياسي واسع حول حدود مسطرة العزل المنصوص عليها في المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، وحول مصير المخالفات التي ترصدها تقارير التفتيش التابعة لوزارة الداخلية عندما يتعذر ترتيب جزاء العزل بسبب اعتبارات مرتبطة بالولاية الانتدابية.
فالقرار القضائي لم يقل إن المخالفات المنسوبة لرئيس جماعة السويهلة السابق غير موجودة، ولم يقرر براءة إدارية أو قانونية من جميع الأفعال التي وردت في تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية، وإنما اعتبر أن جزءاً أساسياً من تلك الأفعال يعود إلى ولاية انتخابية سابقة انتهت، وبالتالي لا يمكن أن يشكل سنداً قانونياً لتفعيل مسطرة العزل خلال ولاية انتخابية جديدة.
وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: إذا كانت بعض الأفعال المخالفة للقانون قد ثبت وجودها في تقارير رسمية صادرة عن أجهزة التفتيش التابعة للدولة، وإذا كانت هذه الأفعال قد أضرت بمصالح الجماعة أو مست أخلاقيات المرفق العمومي، فهل ينتهي الأمر بمجرد سقوط مسطرة العزل؟ أم أن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة يفرض سلوك مسارات أخرى للمساءلة؟
إن الفصل الأول من الدستور جعل ربط المسؤولية بالمحاسبة أحد الأسس الجوهرية للحكامة الجيدة، وهو مبدأ لا يمكن اختزاله في مسطرة العزل وحدها. فالعزل إجراء إداري وقضائي خاص بالوضعية الانتدابية للمنتخب، أما الأفعال التي قد تشكل مخالفات قانونية أو مالية أو جنائية فتخضع لأنظمة أخرى للمساءلة والتحقيق والمتابعة وفق القوانين الجاري بها العمل.
ومن هذا المنطلق، يثار التساؤل حول مآل الملفات التي كشفتها تقارير المفتشية العامة للإدارة الترابية، خاصة عندما تتضمن وقائع لم يشملها التقادم القانوني أو عندما تكون لها آثار مستمرة على مصالح الجماعات الترابية. فالرأي العام المحلي من حقه أن يعرف هل تم الاكتفاء بمسطرة العزل فقط، أم أن الجهات المختصة قامت بدراسة الجوانب الأخرى التي قد تستوجب الإحالة على السلطات القضائية المختصة متى توفرت شروط ذلك.
وتزداد أهمية هذا النقاش اليوم مع الملفات المعروضة حالياً أمام القضاء الإداري والمتعلقة بطلبات عزل بعض المنتخبين بجماعة تسلطانت وغيرها من الجماعات الترابية. فهل سيتم اعتماد نفس القاعدة القانونية التي كرستها محكمة النقض ومحكمة الاستئناف الإدارية بمراكش إذا كانت الأفعال المنسوبة تعود إلى ولايات انتخابية سابقة؟ أم أن الملفات الحالية تتضمن وقائع مرتبطة بالولاية الانتدابية الجارية بما يجعلها مختلفة من الناحية القانونية؟
إن الأمر يستوجب توضيحاً مؤسساتياً وقانونياً للرأي العام، لأن غياب الوضوح قد يخلق انطباعاً خاطئاً مفاده أن المنتخب الذي يتمكن من تجاوز نهاية ولايته الانتدابية دون صدور حكم بالعزل يصبح بمنأى عن كل أشكال المساءلة اللاحقة، وهو استنتاج لا ينسجم مع فلسفة الدستور ولا مع دولة القانون والمؤسسات.
كما أن الرأي العام ينتظر معرفة الكيفية التي سيتم بها التعامل مع التقارير الرقابية التي تنجزها المفتشية العامة للإدارة الترابية. فهذه التقارير ليست مجرد وثائق إدارية تحفظ في الأرشيف، بل يفترض أن تشكل أداة لتخليق الحياة العامة وحماية المال العام وضمان حسن تدبير الشأن المحلي.
وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية السلطات المختصة في توضيح مآل هذه الملفات، سواء تعلق الأمر بولاية جهة مراكش آسفي أو بالمصالح المركزية لوزارة الداخلية، حتى لا يبقى المواطن أمام معادلة صعبة: تقارير تتحدث عن اختلالات، وأحكام تلغي العزل لأسباب قانونية مرتبطة بالولاية الانتدابية، دون معرفة ما إذا كانت هناك مسارات أخرى للمحاسبة قد فُتحت أو ستُفتح مستقبلاً وفق القانون.
إن تعزيز الثقة في المؤسسات يمر عبر الوضوح والشفافية وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. لذلك فإن المرحلة الحالية تقتضي تقديم أجوبة واضحة للرأي العام حول مصير الملفات التي كشفتها أجهزة الرقابة، وحول مدى تفعيل مختلف آليات المحاسبة التي يتيحها القانون، حتى يظل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ممارسة واقعية لا مجرد شعار دستوري.