الانتفاضة/ سلامة السروت
سأصوغ المقال بصيغة صحفية مهنية ومحايدة، مع احترام قرينة البراءة وعدم تقديم الادعاءات الواردة في الشكاية على أنها حقائق ثابتة.
فتحت شكاية وضعت لدى النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بمراكش نقاشا جديدا حول النزاعات المرتبطة بعلاقات الجوار داخل الأحياء السكنية، بعدما تقدم شخصان يقطنان بحي الضحى أبواب مراكش بطلب إلى الجهات القضائية المختصة يلتمسان من خلاله فتح تحقيق في مجموعة من الوقائع التي ينسبانها إلى جار لهما وزوجته يقطنان بالعمارة نفسها.
وتأتي هذه الشكاية في سياق تزايد القضايا المرتبطة بالخلافات بين الجيران، والتي غالبا ما تبدأ بمشاحنات بسيطة أو اختلافات في وجهات النظر حول أمور يومية مرتبطة بالسكن المشترك، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى نزاعات أكثر تعقيدا تستدعي تدخل السلطات المختصة واللجوء إلى القضاء من أجل تحديد المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عن الوقائع موضوع الخلاف.
وبحسب المعطيات الواردة في الشكاية التي تقدم بها المشتكيان، فإن الخلافات بين الطرفين لم تعد تقتصر على مجرد سوء تفاهم عابر، بل تطورت وفق روايتهما إلى تبادل للاتهامات ووقائع يعتبرانها مؤثرة على ظروف عيشهما داخل محيطهما السكني. وأوضح المشتكيان أن هذه الخلافات المتكررة خلفت لديهما شعورا بعدم الارتياح وأثرت على علاقتهما بمحيطهما اليومي، ما دفعهما إلى التوجه نحو المساطر القانونية من أجل عرض الوقائع على الجهات المختصة.
وتشير الشكاية إلى أن أحد المشتكى بهما يشتغل دركيا بمركز الدرك الملكي باب دكالة، وهو المعطى الذي اعتبره المشتكيان عنصرا أساسيا ضمن الشكاية المقدمة، حيث يدعيان أن صفته المهنية كانت حاضرة في عدد من المواقف التي جمعتهما به، وهو ما يريان أنه ساهم في تعميق حالة التوتر بين الطرفين. غير أن هذه الادعاءات تبقى في إطار ما ورد في الشكاية، وتظل خاضعة للتحقق والبحث من قبل الجهات المختصة التي يعود إليها وحدها تحديد مدى صحتها أو عدمها.
كما تضمنت الشكاية معطيات أخرى مرتبطة بسلوكات وممارسات يقول المشتكيان إنها تسببت لهما في أضرار نفسية ومعنوية وأثرت على أجواء السكن داخل العمارة. وتبقى هذه المزاعم بدورها ضمن العناصر التي ستخضع، عند الاقتضاء، للتحقيق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية، وفق ما تنص عليه القوانين والمساطر الجاري بها العمل.
ويكتسي هذا النوع من القضايا أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطه المباشر بالحياة اليومية للمواطنين داخل الأحياء السكنية والتجمعات العمرانية، حيث تشكل علاقات الجوار أحد أهم عناصر الاستقرار الاجتماعي والنفسي. فعندما تسود الثقة والاحترام المتبادل بين الجيران، تتحول الأحياء السكنية إلى فضاءات للتعاون والتضامن والتعايش، بينما يؤدي تفاقم الخلافات إلى خلق أجواء من التوتر تنعكس سلبا على جميع الأطراف.
وتؤكد التجارب الاجتماعية والقانونية أن معالجة النزاعات المرتبطة بالجوار تتطلب في كثير من الأحيان قدرا كبيرا من الحكمة والتبصر، سواء من قبل الأطراف المعنية أو من قبل الجهات المكلفة بالتدخل. فليس كل خلاف يستوجب بالضرورة اللجوء إلى القضاء، كما أن بعض النزاعات يمكن احتواؤها عبر الحوار والوساطة والتواصل المباشر، غير أن بعض الحالات تصل إلى مستويات تجعل التدخل القانوني أمرا ضروريا من أجل حماية الحقوق وضمان احترام القانون.
وفي الحالة المعروضة، أكد المشتكيان أنهما يتوفران على وسائل إثبات تتمثل في تسجيلات وشهادات أشخاص قالا إنهم عاينوا بعض الوقائع المشار إليها في الشكاية. كما التمسا من النيابة العامة إصدار التعليمات اللازمة إلى الضابطة القضائية المختصة من أجل الاستماع إلى جميع الأطراف والشهود الواردة أسماؤهم في الملف، والعمل على تفريغ التسجيلات المدلى بها واتخاذ ما تراه الجهات المختصة مناسبا في ضوء نتائج البحث والتحري.
ويعتبر عنصر الإثبات من الجوانب الأساسية في مثل هذه الملفات، إذ لا يكفي تقديم الادعاءات أو سرد الوقائع من طرف واحد لإثبات صحتها، بل يتعين إخضاع جميع المعطيات المقدمة للفحص والتدقيق وفق الضوابط القانونية المعمول بها. ومن هذا المنطلق، فإن مهمة الجهات المختصة تتمثل في جمع مختلف عناصر الملف والاستماع إلى جميع الأطراف المعنية وتمكين كل طرف من تقديم روايته ومعطياته قبل اتخاذ أي قرار أو ترتيب أي أثر قانوني.
وفي المقابل، تظل قرينة البراءة من المبادئ الأساسية التي يكفلها القانون، إذ إن مجرد تقديم شكاية أو توجيه اتهامات لا يعني ثبوت الوقائع المنسوبة إلى الأشخاص المعنيين. ولذلك فإن أي معالجة إعلامية أو مجتمعية لمثل هذه القضايا ينبغي أن تراعي هذا المبدأ وأن تميز بين الادعاءات الواردة في الشكايات وبين الوقائع التي يتم إثباتها بشكل رسمي من خلال الأبحاث والتحقيقات أو الأحكام القضائية النهائية.
كما تبرز هذه القضية أهمية المسؤولية المرتبطة بالوظائف العمومية والمهن ذات الطبيعة الخاصة التي تقتضي مستوى عاليا من الانضباط والثقة المجتمعية. فالمواطنون ينتظرون من العاملين في مختلف الأجهزة والمؤسسات العمومية أن يجسدوا قيم احترام القانون وحسن السلوك داخل المجتمع، كما أن أي ادعاء يتعلق باستغلال الصفة المهنية يظل من القضايا التي تتعامل معها الجهات المختصة بجدية متى توفرت بشأنها معطيات تستوجب البحث والتحري.
ومن جهة أخرى، فإن اللجوء إلى القضاء يعكس ثقة المواطنين في المؤسسات القانونية باعتبارها الجهة المخولة بحسم النزاعات وحماية الحقوق. فالنيابة العامة، باعتبارها مؤسسة دستورية تضطلع بمهام السهر على تطبيق القانون وحماية النظام العام، تملك الصلاحيات اللازمة لاتخاذ ما تراه مناسبا في ضوء المعطيات المتوفرة لديها، سواء من خلال فتح الأبحاث اللازمة أو حفظ الشكايات التي لا تتوفر بشأنها العناصر القانونية الكافية.
ويرى متابعون أن مثل هذه الملفات، مهما بدا حجمها محدودا أو مرتبطا بخلافات محلية، تكتسب أهمية خاصة لأنها تلامس بشكل مباشر الحياة اليومية للمواطنين وتطرح أسئلة مرتبطة بثقافة الحوار واحترام الآخر وسبل تدبير الخلافات داخل الفضاءات المشتركة. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة الوساطة والتواصل داخل الأحياء السكنية من أجل الحد من النزاعات التي قد تتطور إلى مسارات قضائية طويلة ومعقدة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الأبحاث والتحريات التي قد تباشرها الجهات المختصة، يبقى الملف في مرحلته الأولية المرتبطة بدراسة الشكاية والتحقق من المعطيات الواردة فيها. كما يبقى الحسم في صحة الوقائع أو عدمها من اختصاص السلطات القضائية وحدها، بناء على ما قد يتم جمعه من أدلة وشهادات ومعطيات خلال مختلف مراحل البحث.
وبذلك تظل هذه القضية نموذجا من القضايا التي تؤكد أهمية الاحتكام إلى القانون والمؤسسات في معالجة الخلافات، مع ضرورة احترام حقوق جميع الأطراف المعنية وضمان شروط المحاكمة العادلة وقرينة البراءة، إلى أن تتضح الصورة بشكل كامل من خلال المساطر القانونية المعتمدة والقرارات التي قد تصدر عن الجهات المختصة في هذا الشأن.