الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
يشهد المشهد السياسي المغربي حركية متسارعة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، حيث بدأت الأحزاب السياسية في تكثيف تحركاتها التنظيمية والتواصلية استعدادا لهذا الاستحقاق الوطني الهام. وفي هذا السياق، أعلن حزب العدالة والتنمية عن تنظيم ندوة صحافية يوم الإثنين فاتح يونيو 2026 بمقره المركزي بحي الليمون في الرباط، لتقديم عرض مرحلي حول برنامجه الانتخابي، بالتزامن مع إطلاق منصة إلكترونية تفاعلية تهدف إلى إشراك المواطنين في صياغة مقترحات البرنامج الانتخابي الذي سيخوض به غمار المنافسة المقبلة.
وتعكس هذه الخطوة رغبة الحزب في اعتماد مقاربة جديدة تقوم على توسيع دائرة المشاركة المجتمعية والاستفادة من آراء المواطنين والفاعلين المدنيين والخبراء في إعداد تصوراته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويبدو أن الحزب اختار هذه المرة نهجا يعتمد على التحضير المبكر والانفتاح على مختلف مكونات المجتمع، سعيا إلى بلورة برنامج انتخابي أكثر ارتباطا بانشغالات المواطنين وأكثر قدرة على الاستجابة للتحديات التي تواجه البلاد خلال المرحلة المقبلة.
ويأتي تنظيم هذه الندوة الصحافية في إطار دينامية سياسية وتنظيمية أطلقها الحزب خلال الأشهر الأخيرة، شملت سلسلة من اللقاءات والأنشطة الداخلية التي استهدفت إعادة ترتيب البيت التنظيمي وتعزيز جاهزيته للاستحقاقات القادمة. كما يسعى الحزب من خلال هذه المبادرات إلى استعادة موقعه داخل المشهد السياسي الوطني وإبراز قدرته على تقديم بدائل عملية ورؤى جديدة لمعالجة عدد من القضايا التي تشغل الرأي العام المغربي.
وتعتبر المنصة الإلكترونية التفاعلية التي أعلن عنها الحزب إحدى أبرز الأدوات التي يعول عليها في هذه المرحلة، حيث ستتيح للمواطنين إمكانية تقديم اقتراحاتهم وأفكارهم بشكل مباشر، بما يسهم في إغناء النقاش حول الأولويات الوطنية والبرامج المستقبلية. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا لأهمية التحول الرقمي في تطوير العمل السياسي وتعزيز التواصل بين الأحزاب والمواطنين، خاصة في ظل تنامي استخدام الوسائط الرقمية كفضاءات للنقاش العمومي وتبادل الآراء.
ويرى متابعون أن اعتماد آلية تشاركية من هذا النوع يمكن أن يشكل إضافة نوعية لمسار إعداد البرامج الانتخابية، إذ يمنح المواطنين فرصة المساهمة في بلورة التصورات المرتبطة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والتنموية، ويعزز في الوقت نفسه الشعور بالمشاركة والانخراط في الحياة السياسية. كما أن إشراك مختلف الفاعلين في هذه العملية قد يساعد على إنتاج مقترحات أكثر واقعية وقربا من احتياجات المجتمع، بعيدا عن المقاربات التقليدية التي كانت تعتمد في الغالب على دوائر ضيقة من الخبراء والمسؤولين الحزبيين.
وبالتوازي مع العمل على إعداد البرنامج الانتخابي، يواصل الحزب استكمال مختلف الجوانب التنظيمية المرتبطة بالانتخابات المقبلة، حيث عملت اللجنة المركزية على استكمال مساطر اختيار المرشحين وتدبير التزكيات في عدد من الجهات والأقاليم. وتكتسي هذه العملية أهمية كبيرة بالنظر إلى دورها في تحديد الوجوه التي ستمثل الحزب خلال المنافسة الانتخابية، كما تشكل اختبارا لقدرة التنظيم على تدبير التوازنات الداخلية وضمان حضور الكفاءات القادرة على التواصل مع الناخبين والدفاع عن برامج الحزب وتوجهاته.
وفي الإطار ذاته، نظم الحزب مجموعة من اللقاءات والأيام الدراسية التي خصصت لمناقشة عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية ذات الأولوية، من بينها قضايا التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار والتنمية المحلية. وهدفت هذه اللقاءات إلى بلورة تصورات عملية تستند إلى معطيات واقعية وتأخذ بعين الاعتبار التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي والتحديات التي تواجه السياسات العمومية في مختلف القطاعات.
وتأتي هذه التحركات في سياق يشهد احتداما مبكرا للتنافس الحزبي استعدادا للانتخابات التشريعية المقبلة، حيث بدأت مختلف القوى السياسية في تكثيف حضورها الميداني والإعلامي وتقديم رؤاها بشأن القضايا الوطنية الكبرى. ويرى العديد من المراقبين أن الاستحقاقات المقبلة ستكون محطة سياسية مفصلية بالنظر إلى حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية المطروحة، وإلى النقاش العمومي المتواصل حول أداء المؤسسات والسياسات العمومية خلال السنوات الأخيرة.
كما أن الانتخابات المرتقبة تشكل مناسبة لتقييم حصيلة مختلف الفاعلين السياسيين واختبار مدى قدرتهم على إقناع المواطنين ببرامجهم ومشاريعهم المستقبلية. وفي هذا السياق، تبدو الأحزاب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم حلول عملية وقابلة للتنفيذ، قادرة على الاستجابة لتطلعات المواطنين في مجالات التشغيل وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومن المنتظر أن يشكل العرض المرحلي الذي سيقدمه حزب العدالة والتنمية فرصة للكشف عن أبرز ملامح خطابه السياسي الجديد، والتوجهات العامة التي ستؤطر برنامجه الانتخابي خلال المرحلة المقبلة. كما سيتيح هذا الموعد للرأي العام ووسائل الإعلام فرصة الاطلاع على التصورات التي يعمل الحزب على إعدادها، ومدى قدرته على تقديم بدائل سياسية واقتصادية تستجيب لمتطلبات المرحلة الراهنة.
ويؤكد عدد من المتابعين أن نجاح أي مشروع سياسي في الظرفية الحالية لم يعد مرتبطا فقط بالشعارات والخطابات العامة، بل بقدرته على تقديم رؤى واقعية مدعومة بحلول عملية ومقاربات قابلة للتطبيق. كما أن تعزيز المشاركة المواطنة والانفتاح على مختلف الفاعلين قد يشكلان عاملا مهما في تعزيز الثقة بين الأحزاب والمواطنين، خاصة في ظل تزايد المطالب بتجديد أساليب العمل السياسي وتطوير آليات التواصل والتفاعل مع المجتمع.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الخطوات التي اتخذها حزب العدالة والتنمية جزءا من استراتيجية أشمل تروم الاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة وتعزيز حضوره داخل النقاش العمومي الوطني. ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتوقع أن تتزايد وتيرة الأنشطة الحزبية والمبادرات السياسية التي تستهدف استقطاب اهتمام الناخبين وتقديم تصورات مختلفة بشأن مستقبل التنمية والإصلاح في المغرب، في مشهد انتخابي مفتوح على جميع الاحتمالات ويعد بمنافسة قوية بين مختلف الفاعلين السياسيين.