الانتفاضة/ شاكر ولد الحومة
قد تختصر كلمة واحدة ما تعجز عنه التقارير والخطب والندوات. كلمة تخرج من قلب الغضب الشعبي، وسط زحام الغلاء وحرقة القدرة الشرائية، فتتحول إلى حكم سياسي قاس يطارد المسؤولين.
هكذا خرج لقب “حشحوش” من لسان امرأة بسيطة إلى فضاء التواصل الاجتماعي، ملتصقا باسم رئيس الحكومة عزيز أخنوش في سياق اجتماعي مشحون بأسعار الأضاحي وارتفاع كلفة العيش.٨
الرجل الذي وصل إلى رئاسة الحكومة بصورة رجل الأعمال الناجح، وبشعار “أغراس أغراس” الذي وعد المغاربة بمسار جديد نحو التنمية والرخاء، وجد نفسه بعد سنوات من التدبير محاصرا بسخرية شعبية لاذعة، عنوانها الأبرز “حشحوش”، وهو لقب سرعان ما تحول إلى رمز لغضب فئات واسعة من المواطنين من حكومة تتهم بالعجز أمام موجات الغلاء.
القصة بدأت من فيديو متداول لسيدة مسنة تشتكي بحرقة من أسعار الأضاحي، قبل أن تحمل المسؤولية ل”حشحوش”، في إحالة واضحة على رئيس الحكومة عزيز أخنوش.
ومنذ تلك اللحظة انتقل اللقب إلى المنصات الرقمية بسرعة كبيرة، وتحول إلى مادة ساخرة تلخص إحساسا شعبيا متناميا بأن الحكومة تركت المواطن وحيدا أمام لهيب الأسعار والمضاربة وغياب الأثر الملموس للوعود الانتخابية.
وفي الثقافة الشعبية المغربية، لا تولد الألقاب من فراغ. فكلمة “حشحوش” تحمل إحالات قاسية مرتبطة بالدهاء والمراوغة والحركة الخفية والقدرة على الالتفاف.
لذلك أخذ استعمالها طابعا سياسيا واضحا، لأنها اختزلت في نظر كثيرين صورة رجل يجمع السلطة والثروة والنفوذ الاقتصادي في وقت يئن فيه المواطن تحت ضغط الأسعار.
إن عزيز أخنوش الذي قدم نفسه كعنوان للكفاءة الاقتصادية، صار عند خصومه رمزا لتداخل المال والسلطة. رئيس حكومة يقود تدبير الشأن العام، وفاعل اقتصادي كبير في قطاعات حساسة، وسط نقاش متجدد حول المحروقات والمواد الأساسية والدعم العمومي ولوبيات السوق.
ومع كل موجة غلاء يعود سؤال تضارب المصالح إلى الواجهة، ومع كل ارتفاع في الأسعار، تتسع الهوة مع خطاب “الدولة الاجتماعية”. لذلك وجد المغاربة في لقب “حشحوش” صيغة ساخرة تختصر شعورا عميقا بأن الحكومة تناور أكثر مما تنصت، وتبرر أكثر مما تحمي، وتعد أكثر مما تنجز.
السخرية السياسية في المغرب غالبا ما تكون أبلغ من البيانات الرسمية. فهي تولد من قلب المعاناة اليومية، وتحمل شحنة رمزية لا تستطيع حملات التواصل محوها بسهولة. ومن “أغراس أغراس” التي صنعت صورة انتخابية براقة، إلى “حشحوش” التي خرجت من رحم الغضب، تتكشف مسافة واسعة تفصل الوعد السياسي عن حكم الشارع.
لقد تحول لقب “حشحوش” إلى عنوان سياسي موجع لمرحلة يشعر فيها المواطن بأن الغلاء أقوى من الحكومة، وأن الوعود فقدت قيمتها أمام فاتورة السوق، حيث أن الشارع عندما يمنح مسؤولا لقبا ساخرا، فهو لا يمارس الضحك وحده، وإنما يصدر بيانا سياسيا بطريقته الخاصة.