الانتفاضة/_الحجوي محمد
في عالم يقدس النتائج السريعة والمشاهد الملموسة، يبقى السؤال الأصعب: كيف نؤمن بقدراتنا قبل أن تثبت نفسها على أرض الواقع؟ كثيرون هم أولئك الذين توقفوا عن الحلم لأنهم لم يروا أجنحتهم بعد، متناسين أن كل إنجاز عظيم بدأ كفكرة غامضة، كإحساس داخلي صامت، كنبض لا تراه العين لكنه يحرك الجسد.
التاريخ مليء بقصص أولئك الذين آمنوا بما لا يُرى. توماس إديسون لم يرَ الضوء قبل أن يخترق المصباح الظلام، ومارتن لوثر كينغ لم يلمس الحرية قبل أن يهتف بها من على منبر الحلم. إن الإيمان بالإمكانيات ليس ترفًا فكريًا، بل هو الوقود الذي يشعل المحركات في أحلك الأنفاق. إنه الصوت الذي يهمس في داخلك: “أنت قادر”، بينما الآخرون يصمون آذانهم عن سماع أي شيء سوى الواقع المعروف.
لكن كيف نبني هذا الإيمان؟ يبدأ الأمر بإعادة تعريف النجاح. النجاح ليس فقط الوصول إلى القمة، بل هو كل خطوة تخطوها نحوها. كل محاولة فاشلة هي درس يغلف بغلاف خشن، لكن جوهره ناعم وغني. حين تؤمن بأن الفشل ليس نهاية الطريق بل محطة تعلم، تتحرر من رهاب عدم رؤية الأجنحة.
العلم يخبرنا أن الفراشة لا ترى أجنحتها وهي داخل الشرنقة، لكنها تمتلك خريطة بيولوجية تحفها على التحول. نحن أيضًا نملك “خريطة داخلية” تسمى الحدس والشغف والإرادة. هذه الخريطة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تُحس بكل خلية. من يتجاهلها يحكم على إمكانياته بالموت المبكر، ومن يستمع إليها يكتشف أن الأجنحة كانت تنمو بصمت طوال الوقت.
المجتمع يغرقنا بمعايير جاهزة: شهادة، منصب، مال، شهرة. لكن هذه المعايير تصف فقط ما تحقق، لا ما يمكن أن يتحقق. الأطفال لا يسألون “هل أستطيع أن أرسم؟” بل يمسكون بالألوان ويبدعون. في مكان ما من الطريق، نتعلم الخوف من “لا أرى” بدلاً من الثقة بـ”أشعر بأني أستطيع”. حان الوقت لنستعيد تلك الجرأة الطفولية.
إن رحلة الإيمان بقدراتك تشبه زراعة بذرة في تربة مظلمة. أنت لا ترى النبتة في البداية، لكنك تسقيها وتنتظر. الأيام تمر، وتبدو الأرض صامتة، فجأة ينشق الترع عن برعم أخضر. لو أنك توقفت عند الظلام، لما رأيت النور أبدًا. قدراتك هي تلك البذور، والإيمان هو الماء.
لا تنتظر حتى ترى أجنحتك لتطير. ابدأ بالرفرفة، ولو كانت خفيفة. كل حركة صغيرة تصنع تيارًا هوائيًا يحملك أعلى قليلاً. يوماً ما، ستلتفت إلى الوراء لتكتشف أنك لم تكن بحاجة لأجنحة مرئية، بل إلى قلب يصدق أن السماء ليست بعيدة.
حين تؤمن بإمكانياتك، تصنع من المستحيل ممرًا، ومن الظلام نافذة، ومن الغياب حضورًا. فالأجنحة الحقيقية لا تُرى، بل تُحس في طريقة سقوطك ونهوضك، في قرارك ألا تبقى على الأرض رغم كل شيء.