بين وفرة القطيع وغلاء السوق: لماذا ندفع ثمناً لا تستحقه الأضحية؟

0

الانتفاضة//الحجوي محمد 

 

في زحام كل عيد، يصطدم حلم المغاربة بتأدية شعيرة الأضحية بواقع مرير من الأسعار المتصاعدة. السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن قدسية النسك، بل عن حدود “الاستطاعة” التي جعلها الشرع أساس التكليف. حين ننظر إلى الأرقام الرسمية بعيداً عن الضجيج، نكتشف مفارقة صادمة: الندرة وهم، والغلاء نتيجة حتمية لممارسات لا علاقة لها بالعرض والطلب الحقيقيين.

 

تكشف معطيات وزارة الفلاحة أن المغرب يمتلك قطيعاً يتجاوز 32 مليون رأس من الأغنام، في وقت لا تحتاج فيه أسواق العيد سوى 7 ملايين رأس كحد أقصى. هذا الفائض المهول، الذي يزيد عن 25 مليون رأس، يبقى خارج دائرة الطلب الفعلي، وهو دليل قاطع على أن الأزمة ليست بيولوجية أو مرتبطة بالجفاف فقط، بل هي أزمة احتكار وتوزيع، حيث يتحكم المضاربون والوسطاء في ترويع المواطن ودفعه لشراء الخروف بثمن مضاعف.

 

هذا المشهد يكشف عن خلل هيكلي في موازين السوق، إذ تُستخدم الشعيرة الدينية كغطاء لابتزاز جيوب البسطاء. والإصرار على الشراء بتلك الأسعار الخيالية لا يعظم الشعيرة، بل يغذي جيوب “الشناقة” الذين سيجدون أنفسهم وحدهم أمام جبل من الماشية الفائضة، إذا ما قرر الناس فجأة تبني منطق العقل وترك الخروف في الحظيرة.

 

أضف إلى ذلك، أن المغاربة اليوم أمام فرصة نادرة لكسر هذه الحلقة المفرغة. فكل درهم لا يدفع في ثمن خروف مرتفع، يمكن توظيفه في تغطية ديون، أو توفير احتياجات العيد الأساسية، أو حتى في شراء اللحم مباشرة من الجزارين يوم العيد، بسعر أقل بكثير. هذا ليس تفريطاً في الشعيرة، بل هو اجتهاد في تحقيق مقصدها الأسمى: التوسعة على الأسرة وإدخال الفرحة دون إدمان على الاستغلال.

 

إن تعظيم الشعيرة لا يعني أبداً السير خلف عادات استهلاكية تدفع بالأسر المغربية نحو التهلكة المالية. فالمؤمن القوي في ماله وعلم أبنائه وكرامة بيته، أحب إلى الله من ذلك الذي يرضى بالذل في سبيل ثلاثة أيام من الأكل. يمكن إحياء السنة باليسير، أو بتوزيع ما تيسر من اللحم، أو بالصدقة بدل التضحية إن كان الحال ضيقاً، فالله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

 

الخيار اليوم واضح بين وعي يحمي الجيب واستسلام يغرق السوق في المزيد من الجشع. من يملك القدرة فليضحي بطيب نفس، ومن لا يجد سعة فليمسك بماله ولا يُلجِم نفسه بدين ثقيل. الأضحية الحقيقية اليوم هي أن نضحي بثقافة الاستهلاك الأعمى لحساب كرامة أبنائنا وغدهم.

 

خليه_يبعبع (لأن العقل أحياناً يكون أسمى من العادة)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.