حين تتحول الانتخابات إلى بحث عن منقذ، من يصنع ضعف البرلمان النخب أم المجتمع ؟

حين تتحول الانتخابات إلى حلم الخروج من الفقر ،

0

الانتفاضة/ يوسف اكومازين

بين البحث عن الخروج من الهشاشة والفقر والسعي إلى مستقبل أفضل، يتحرك كثير من المترشحين للانتخابات البرلمانية لا بدافع المشروع السياسي بقدر ما بدافع الترقي الاجتماعي.
ففي مجتمعات تعاني من تفاوتات حادة وفرص محدودة للصعود الاجتماعي، تتحول السياسة أحياناً من رسالة لخدمة الصالح العام إلى وسيلة فردية للهروب من واقع اقتصادي صعب.
وهكذا يصبح الترشح للبرلمان لدى البعض ليس فقط فعلاً سياسياً، بل أيضاً محاولة للصعود الاجتماعي وتحقيق مكانة أفضل داخل المجتمع.
غير أن المفارقة لا تكمن في المترشح وحده بل أيضاً في المجتمع الذي ينظر إلى البرلمان ونوابه بتوقعات تكاد تكون أسطورية. فكثير من المغاربة يتعاملون مع البرلماني وكأنه العصا السحرية القادرة على محاربة الفقر، حلّ مشاكل البطالة، وتغيير الواقع الاجتماعي في زمن قياسي.
بينما يغيب عن كثيرين أن الدور الأساسي للبرلماني في أي نظام ديمقراطي هو تشريع القوانين ومراقبة عمل الحكومة، وليس إدارة المشاريع أو توزيع المنافع أو تحويل حياة الناس مباشرة.
وهنا يبدأ الخلط بين أحكام القيمة وأحكام الواقع.
فالمجتمع يصوغ صورة مثالية عن السياسي الذي يجب أن يحقق المعجزات، ثم يصطدم بواقع مؤسسة برلمانية دورها الأساسي تشريعي ورقابي. وبين هذه الصورة المتخيلة والواقع المؤسساتي تتولد حالة من الإحباط الجماعي، تتحول سريعاً إلى خطاب نقدي قاسٍ تجاه النخب السياسية.
لكن السؤال الحقيقي ربما لا يتعلق فقط بمستوى البرلمانيين، بل أيضاً بطبيعة الوعي السياسي داخل المجتمع نفسه، وبمدى فهمه لطبيعة المؤسسات وأدوارها.
إن الإشكال الحقيقي في الحياة السياسية المغربية لا يختزل فقط في مستوى بعض النخب أو في أداء بعض البرلمانيين، بل يمتد إلى طبيعة العلاقة المعقدة بين المجتمع والسياسة.
فحين يُنظر إلى البرلمان كمؤسسة قادرة على تحقيق المعجزات، وحين يُختزل العمل السياسي في وعود بمحاربة الفقر وتغيير الواقع الاجتماعي بشكل مباشر، يصبح النقاش العمومي محكوماً بالوهم أكثر مما هو محكوم بالفهم.
فالبرلمان ليس مصنعاً للمعجزات، بل فضاء لصياغة القوانين التي تؤطر السياسات العمومية على المدى الطويل.
لذلك فإن إصلاح الحياة السياسية لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص داخل المؤسسات، بل يبدأ أيضاً بتصحيح نظرة المجتمع إلى السياسة نفسها.
وهنا تفرض مجموعة من الأسئلة نفسها بإلحاح:
هل المشكلة فعلاً في البرلمانيين وحدهم، أم في طبيعة الوعي السياسي الذي يفرزهم؟
وهل يطالب المجتمع بنخب سياسية مختلفة، أم أنه في الواقع يعيد إنتاج نفس الاختيارات في كل استحقاق انتخابي؟
ثم هل يدرك المواطن فعلاً حدود دور البرلمان وطبيعة عمله، أم أنه لا يزال ينتظر منه تحقيق ما لا تستطيع أي مؤسسة سياسية تحقيقه وحدها؟
وأخيراً، هل نحن أمام أزمة نخب فقط، أم أمام أزمة وعي سياسي داخل المجتمع نفسه؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.