الانتفاضة/ ابراهيم اكرام
منذ تأسيسه سنة 1960، شكل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب إحدى أبرز الواجهات النقابية المرتبطة بحزب الاستقلال، حيث لعب دورا محوريا في تأطير الشغيلة والدفاع عن قضاياها، كما مثل امتدادا اجتماعيا وسياسيا للحزب داخل مختلف القطاعات. غير أن هذا التاريخ الطويل لم يخل من توترات وصراعات داخلية، خاصة على مستوى القيادة، حيث ظلت مسألة تداول الكتابة العامة محكومة بمنطق التوافقات والصراعات أكثر من كونها انتقالا طبيعيا للسلطة.
وعلى امتداد أكثر من ستة عقود، لم يتعاقب على قيادة النقابة سوى عدد محدود من الكتاب العامين، ما يعكس نوعا من الاستمرارية المشوبة بالاضطراب. فبداية من هاشم أمين، أحد المؤسسين الأوائل، مرورا بعبد الرزاق أفيلال ومحمد بن جلون الأندلسي، وصولا إلى حميد شباط والنعمة ميارة، تتكرر نفس السيناريوهات المرتبطة بالصعود إلى القيادة ثم الإطاحة منها.
إزاحة هاشم أمين شكلت أولى مؤشرات هذا النمط، حيث تم عزله في سياق خلاف مع قيادات حزب الاستقلال، بعد لقاء جمعه بالملك الراحل الحسن الثاني دون تنسيق مسبق مع علال الفاسي. هذا الحدث عكس بوضوح طبيعة العلاقة المعقدة بين النقابة والحزب، حيث ظل القرار النقابي في كثير من الأحيان مرتبطا بالتوازنات السياسية داخل الحزب.
الأمر ذاته تكرر مع عبد الرزاق أفيلال، الذي وجد نفسه في مواجهة انتقادات حادة بسبب تصريحات اعتبرت حساسة، ما أدى إلى تصاعد الضغوط عليه وانتهى بإبعاده من القيادة رغم مساره الطويل داخل النقابة. ولم يكن محمد بن جلون الأندلسي استثناء، إذ واجه بدوره نفس المصير بعد صراعات داخلية مع قيادات نقابية صاعدة.
مرحلة حميد شباط بدت أكثر حدة، حيث اتسمت بصراعات قوية داخل النقابة والحزب معا، وانتهت بإبعاده سنة 2017 في سياق انقسام داخلي عميق، لعبت فيه توازنات الحزب دورا حاسما. وقد أفرزت تلك المرحلة قيادة جديدة تمثلت في النعمة ميارة، الذي بدوره يواجه اليوم تحديات داخلية تعيد إلى الواجهة نفس سيناريوهات الماضي.
في ظل هذه التطورات، يبدو أن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب لا يزال يعيش على إيقاع صراعات القيادة، حيث تتجدد الدعوات إلى “حركات تصحيحية” وعقد مؤتمرات استثنائية لإعادة ترتيب البيت الداخلي. غير أن المؤشرات توحي بأن هذه التحركات قد تعيد إنتاج نفس النمط التاريخي، بدل أن تؤسس لمرحلة جديدة قائمة على التداول الديمقراطي والاستقرار التنظيمي.
هكذا، يظل تاريخ النقابة مزيجا من النضال الاجتماعي والتجاذبات الداخلية، ما يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبلها وقدرتها على التكيف مع التحولات الراهنة، بعيدا عن منطق الصراعات المتكررة التي طبعت مسارها لعقود.