مراكش تحت “مقصلة” الأمطار: فضيحة تدبيرية تُعرّي مجلس المنصوري ونائبها الإدريسي

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة 

لم تكن الزخات المطرية الأخيرة التي شهدتها مراكش مجرد حدث مناخي عابر، بل كانت “لجنة تفتيش إلهية” كشفت في دقائق معدودة ما حاولت الخطابات الرسمية إخفاءه لشهور.
ما حدث في ساحة جامع الفنا، قلب المغرب النابض، لم يكن غرقاً في المياه فحسب، بل كان سقوطاً مدوياً لمنظومة تدبيرية كاملة يقودها مجلس جماعي ضعيف يبدو أنه غرق في “شبر ماء”.

أوراش “الواجهة” وسقوط الأقنعة

حين يتحدث “السيد محمد الإدريسي”، النائب الأول للعمدة والمفوض له تدبير الأوراش الكبرى، عن “المعايير الحديثة” و”تأهيل الحاضرة المتجددة”، كان المراكشيون ينتظرون بنية تحتية تصمد أمام التحديات، لكن الحقيقة المرة التي وثقتها عدسات الهواتف كانت صادمة: بلاط جديد، ميزانيات ضخمة، والنتيجة “بحيرات” تعيق الحركة وتُهين كرامة المواطن والسائح على حد سواء.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: “أين ذهبت ميزانيات الدراسات التقنية وقنوات صرف مياه الأمطار؟، وهل تحولت الصفقات بمليارات السنتيمات إلى مجرد “مكياج” خارجي يزول مع أول قطرة مطر؟

“بنت الصالحين” في مهب الريح: الغياب القاتل

أما العمدة فاطمة الزهراء المنصوري، الملقبة بـ”بنت الصالحين”، فتبدو اليوم في موقف لا تُحسد عليه، فبين انشغالاتها الوزارية في الرباط وطموحاتها السياسية في ان تكون رئيسة حكومة المونديال، تركت مراكش تواجه مصيرها “بلا ربان”، فالمدينة العالمية لا تُدار بـ”البرستيج” ولا بالاسم العائلي، و لا حتى بمديرة الديوان التي اصبحت هي الآمرة و الناهية بجماعة مراكش، بل بالحضور الميداني الصارم والمراقبة اللصيقة للأوراش التي تلتهم المال العام.
إن غياب العمدة عن المشهد في لحظات الأزمة، واكتفاء المجلس بالصمت، يعزز القناعة لدى الشارع المراكشي بأن هناك فجوة هائلة بين “النخبة المسيرة” وبين “الواقع المرير” للأزقة والشوارع، و الصمت و عدم تنزيل الغرامات على الشركات صاحبة الصفقات التي تبث مخالفتها للمعايير، يؤكد هناك تواطؤ من طرف المراقبين و صاحب المشروع.

880 مليار سنتيم.. أين الأثر؟

الرقم ثقيل جداً: 8.8 مليار درهم (880 مليار سنتيم) خُصصت لمشاريع “برنامج عمل جماعة مراكش من اجل التأهيل” و قد صرفت على هذه المشاريع كما اشار النائب الاول للعمدة المنصوري، ومع ذلك، يعجز نظام الصرف الصحي في أهم ساحة بالعالم عن استيعاب تساقطات عادية دامت 10 دقائق.
هذا التناقض الصارخ يضعنا أمام فرضيتين لا ثالث لهما: إما غياب تام للحكامة والمراقبة، أو فشل تقني يستوجب تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة فوراً.

جامع الفنا.. من “تراث عالمي” إلى “نقطة سوداء”

إهانة صورة مراكش العالمية هي الجريمة الأكبر في حق هذه المدينة.


أن يشاهد العالم دراجات نارية عالقة وسياحاً يحملون أحذيتهم وسط الساحة التاريخية، هو ضربة موجعة للقطاع السياحي الذي يُعد شريان الحياة للمدينة.

المطالب اليوم واضحة ولا تقبل التأجيل:

1. تحقيق قضائي وتقني: في جودة الأشغال التي تمت بساحة جامع الفنا والمناطق المحيطة بها.

2. المساءلة السياسية: للنائب المفوض له قطاع الأشغال، وللعمدة التي تتحمل المسؤولية الأخلاقية والسياسية الأولى، و التي لا تراقب التفويض الذي قدمته لنائبها.

3. الشفافية: كشف تفاصيل الصفقات والميزانيات التي صُرفت وكيف تم تسلم الأشغال رغم هذه العيوب الكارثية، و ماهو دور كل من : مبلغ “الضمان النهائي” (Caution définitive) الذي يُطلب من المتعهد الفائز بعد إسناد الصفقة، في حدود 3% من مبلغ الصفقة الإجمالي.
و مبلغ “الضمان الاحتياطي” (Retenue de garantie)
الذي تصل نسبته غالبًا 10% من كل دفعة، و سقفه لا يتجاوز 7% من مبلغ الصفقة الإجمالي.
ان الهدف منهما هو ضمان حسن تنفيذ الالتزامات التعاقدية، يُحتفظ به إلى غاية انتهاء الأشغال أو الخدمات بشكل نهائي.

الخلاصة:

مراكش ليست “ضيعة” للتجارب التدبيرية الفاشلة، ولا “خزانة” للأصوات الانتخابية التي تُنسى بعد فوز المقاعد، ما حدث فضيحة بكل المقاييس، والصمت عنها هو مشاركة فيها، فإما أن تستعيد المدينة هيبتها بمحاسبة المفسدين والمهملين، أو أننا سنظل ننتظر “المطر القادم” ليفضح لنا ما تبقى من عورات هذا التدبير.

التعليقات مغلقة.