الانتفاضة
في مشهد هزّ مشاعر الساكنة بجماعة بويا عمر، ودّعت أسرة التلميذ القاصر (13 سنة) فلذة كبدها قبل أيام، بعدما لقي حتفه في حادثة سير مروّعة على الطريق الوطنية بالقرب من “مدرسة المركزية لبوروطة”، ليترك خلفه جرحاً غائراً في قلوب زملائه وأساتذته، وأسئلة ثقيلة عن إهمال حياة الأطفال في أول طريق العلم.
الطفل، الذي كان يافعاً يملؤه الأمل، غادر المدرسة متوجهاً نحو منزله، لكن القدر كان له بالمرصاد، فلم يبلغ الحيّ الذي يسكنه، بل انتقل إلى جوار ربه مباشرة بعد مغادرته الفصل الدراسي. فرحمة الله عليه، وما أعظمها من مصيبة حين يكون الموت في انتظار الأطفال على بعد خطوات من مقاعد الدراسة.
منذ الحادثة، والآباء وأولياء التلاميذ يعيشون حالة من الرعب والقلق لا توصف. كل صباح، عندما يودعون أبناءهم في طريقهم إلى المدرسة، لا يعلمون إن كانوا سيعودون سالمين أم أن الطريق القاتلة سترسل إليهم بأجسادهم الصغيرة.
وما يزيد الطين بلّة، أن هذه ليست الحادثة الأولى على هذا الطريق الوطني الذي يخترق المنطقة، حيث تسجل كل مرة حوادث، بعضها مميت، دون أن يتحرك أحد.
في خطوة تعكس يأسهم، كان الآباء قد بادروا بإرسال مراسلتين رسميتين، إلى كل من السلطة المحلية والجماعة الترابية بويا عمر، يطالبون فيهما بشكل عاجل بإحداث مطبات صناعية وعلامات التشوير على جانبي المدرسة.
لكن المفاجأة المُرّة أن هاتين المراسلتين بقيتا دون أدنى رد أو تجاوب، وكأن أرواح الأطفال لا تستحق ورقة رسمية ترد عليها جهة مسؤولة.
وسط هذا الصمت المريب للجهات المحلية، يتجه أنظار الساكنة اليوم نحو وزارة التجهيز والماء، متسائلين: ألن تتدخل هذه الوزارة لتقوم بواجبها في حماية الأرواح البريئة؟ ألن تُنقذ تلاميذ صغار يذهبون في سبيل العلم وهم في غفلة من أمرهم؟
إنها مأساة تتكرر يومياً في مناطق كثيرة من المغرب، حيث تتحول الطرقات إلى مقابر متنقلة للأطفال، في غياب أبسط معايير السلامة الطرقية قرب المؤسسات التعليمية.
قبل أيام قليلة من انطلاق الامتحانات، ها هو الخوف يتسلل إلى قلوب التلاميذ الصغار وأولياء أمورهم. فكم تلميذاً سيخسر طريقه بين المدرسة والبيت؟ وكم أماً ستبقى تنتظر عودة ابنها الذي لن يعود؟
الصورة واضحة: إما أن تتحرك جميع الأطراف اليوم، السلطة المحلية والجماعة ووزارة التجهيز، وإما أن تُكتب القادمة من هذه المأساة، والأرواح التي تزهق لن يعيدها شيء، لا المراسلات ولا الحسابات ولا الندم المتأخر.
التعليقات مغلقة.