الانتفاضة
لم يكن تغيير القيادة داخل الحزب، ولا استقالة عزيز أخنوش، حدثاً تنظيمياً عادياً يمكن عزله عن السياق العام، بل جاء نتيجة تراكم ظروف سياسية واجتماعية سبقت القرار وضيّقت هامش المناورة إلى حدّ فرض التراجع كخيار أقل كلفة، فالحزب الذي صعد بخطاب الكفاءة والنجاعة وجد نفسه بعد سنوات من التدبير، في مواجهة استنفاد واضح لرصيده الشعبي، وتحوّل تدريجي من قوة انتخابية صاعدة إلى عنوان مركزي للاحتقان الاجتماعي.
هذا التحول لم يكن فجائياً، لكنه بلغ ذروته مع بروز احتجاجات جيل Z التي شكّلت منعطفاً حاسماً في علاقة الحزب بالشارع. جيل غير مؤطر حزبياً، لا يعترف بالوسائط التقليدية، ويعبّر عن غضبه بلغة رقمية مباشرة وساخرة، جعل من أخنوش رمزاً لكل ما يرفضه: غلاء المعيشة، تباعد النخب، وانسداد الأفق. في تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلق ببرامج أو إنجازات، بل بفجوة ثقة عميقة بين جيل كامل وخطاب سياسي لم يعد يفهم لغته.
أمام هذا الوضع، أصبح استمرار القيادة نفسها في الواجهة مخاطرة حقيقية، فالإصرار على قيادة الحكومة المقبلة كان يعني مراكمة الغضب، وربما فتح الباب أمام احتقان اجتماعي أوسع. من هنا، يبدو أن قرار الاستقالة لم يكن اعترافاً صريحاً بالفشل، بقدر ما كان إجراءً وقائياً لتخفيف الضغط وتغيير الواجهة دون المساس بجوهر النفوذ.
في هذا السياق بالذات يبرز اسم محمد الشوكي، الذي كان اختياره لا يُفهم باعتباره صعود زعامة جديدة، بل باعتباره تعيين شخصية من “منطقة الظل”: رجل مؤسسات، معروف داخل البرلمان، لكنه غير مستهلك شعبياً، ولا يحمل حمولة سياسية صدامية. الشوكي لا يثير حماسة ولا يوقظ خصومة، وهو ما يجعله مناسباً لمرحلة يُراد لها أن تمر بأقل ضجيج ممكن.
لكن القراءة بين السطور تذهب أبعد من ذلك، فالعلاقة المهنية التي تجمع الشوكي بالأمين العام المستقيل، وكونه موظفاً ضمن البنية الإدارية لإحدى شركاته ومدير فروع شركات إماراتية يحتمل أن يحمل جنسيتها وكان برلمانيا باسم حزب الاصالة والمعاصرة ترشح لقيادة اكبر هيأة شبابية بالحزب، قبل ان يتم طرده من الحزب، إلى جانب ثمانية برلمانيين آخرين ليقصد حزب الاحرار .

وهنا يطرح سؤال الاستقلالية السياسية بحدة، فهنا لا نكون أمام قطيعة مع القيادة السابقة، بل أمام انتقال محسوب من قيادة معلنة إلى قيادة من وراء الستار، استقالة من الواجهة، لا من القرار و تخلي عن الجميع، مع تشبت فعلي بالخيوط الأساسية، عبر واجهة قابلة للتوجيه وغير مهددة للتوازنات القائمة.
هذا الترتيب يوحي بأن الحزب قد يختار عدم قيادة الحكومة المقبلة، لكنه في المقابل لن يتخلى عن مفاصل النفوذ الاستراتيجي التي راكمها عبر الزمن، الحقائب نفسها ستظل موضوع تفاوض قوي، وعلى رأسها وزارة الفلاحة، التي تبدو خطاً أحمر غير قابل للتفريط، بل مرشحة للاستمرار بالأسماء ذاتها، مهما تغيّرت الواجهات.
وسط هذه التحولات الكبرى، يظهر منتخبو قلعة الحزب بتيزنيت كأكبر الخاسرين في هذه اللعبة الصامتة، تيزنيت التي قُدّمت لسنوات كقلعة انتخابية ورمز للقوة التنظيمية، اكتشفت فجأة أن القلاع يستعمل في الصعود ويهمَّش عند التراجع.
المنتخبون الذين دافعوا عن الحزب في أصعب اللحظات، وتحملوا كلفة قرارات غير شعبية محلياً، لم يكونوا جزءاً من قرار إعادة التموضع، بل تُركوا يواجهون نتائج مرحلة لم يعودوا يشاركون في رسمها، تم بيع طموحاتهم وآمالهم، فهناك من كان يحلم بتموقع مريح داخل هياكل الحزب ، لكن عزيز تنكر للجميع في حين انه حافظ على مصالحه باختياره الشوكي أمينا عاما غير قابل للنقاش، فهم شخصان يفهمان لغة الارقام والمال وتقلبات البورصات، تلك اللغة التي لا يتقنها منتخبو قلعة الحزب .
الولاء التنظيمي لم يتحول إلى شراكة في القرار و القرب الجغرافي والتاريخ الانتخابي لم يعودا كافيين في لحظة تُدار فيها الأمور من دوائر النفوذ الاقتصادي والسياسي، لا من القواعد المحلية.و هكذا وجد منتخبو تيزنيت أنفسهم عالقين بين قيادة تغيّر جلدها في الأعلى، وقاعدة اجتماعية لم تنسَ آثار السياسات السابقة ولا تقبل بسهولة خطاب “المرحلة الجديدة”.
الخسارة هنا ليست انتخابية فقط، بل رمزية وسياسية. لقد خسروا وهم القرب من مركز القرار، واكتشفوا أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بعدد المقاعد ولا بتاريخ القلاع، بل بالقرب من من يمسك بالخيوط حين تُطفأ الأضواء. لم يُهزموا في معركة مفتوحة، بل أُخرجوا بصمت من معادلة أعيد رسمها بعيداً عنهم.
في المحصلة، ما جرى لا يمكن اختزاله في تغيير أسماء أو مواقع. نحن أمام حزب يعترف ضمنياً، بانتهاء مرحلة القيادة المباشرة، ويختار الانسحاب التكتيكي من الواجهة الحكومية، مع الحفاظ على جوهر النفوذ. تغيير الواجهة جاء استجابة لضغط اجتماعي متصاعد، خصوصاً من جيل Z، لكنه لم يصل بعد إلى حدّ إنتاج خطاب سياسي جديد يخاطب هذا الجيل بصدق وجرأة.
ويبقى السؤال مفتوحاً، هل نحن أمام انتقال مرحلي لتبريد الساحة وإعادة التموضع؟ أم أمام إعادة إنتاج للنفوذ بأدوات أقل استفزازاً وأقل كلفة؟ الجواب لن يكون في البلاغات ولا في الأسماء، بل في من يفاوض، من يقرر، ومن يظل صامتاً… لكنه حاضر دائماً وراء الستار.
حزب الأحرار بات يعي جيدا أن للقيادة ثمن باهض ،لذلك سيكتفي بالتواري خلف القيادات المقبلة والمشاركة في الحكومة التي ستتمخض عن انتخابات المرحلة المقبلة بعد أن تيقن أن المغاربة باتوا يكرهون كل شيئ متعلق بالحمامة المشؤومة.
التعليقات مغلقة.