الانتفاضة // حسن المولوع
لم يمرّ خروج عبد الله البقالي، العضو السابق بالمجلس الوطني للصحافة، ضيفا على برنامج الزميل حميد المهدوي مرورا عاديا، كما أن التصريح الذي أدلى به لم يكن مجرد كلام عرضي في سياق حوار إعلامي.. فقد كشف حديثه عن طريقة تفكير مقلقة تعكس فهما ملتبسا لدور المؤسسات المهنية، وتختزل تنظيم المهنة في منطق غريب يقوم على دفع الصحافيين إلى مراقبة بعضهم البعض بدل تحمّل المسؤولية المؤسساتية كاملة.
عندما سأل حميد المهدوي ضيفه سؤالا بسيطا وواضحا: هل أنت مع نشر لوائح الحاصلين على البطاقة المهنية للعموم أم لا؟ كان المنتظر أن يأتي الجواب من منطلق الشفافية، باعتبار أن البطاقة المهنية وثيقة عمومية تهم الرأي العام كما تهم الجسم الصحفي. غير أن جواب البقالي جاء في اتجاه آخر تماما.
فقد قال إنه مع نشر اللوائح حتى يتمكن الصحافيون من التبليغ عن أي شخص حصل على البطاقة دون وجه حق. بمعنى آخر، تحويل الصحافيين إلى مخبرين على بعضهم البعض، بدل أن يتحمل المجلس الوطني للصحافة مسؤوليته الكاملة في تدقيق الملفات ومنح البطاقة لمن يستحقها.
هذا التصريح في حد ذاته اعتراف ضمني بأن هناك بالفعل من مُنحت لهم البطاقة المهنية دون استحقاق. وهنا يطرح السؤال الجوهري: من المسؤول عن ذلك؟ الجواب واضح في القانون، ولا يحتمل أي تأويل: رئيس لجنة البطاقة المهنية، أي عبد الله البقالي نفسه، الذي ظل يشغل هذا المنصب لسنوات طويلة.
فإذا كان هناك من حصل على البطاقة دون وجه حق، فالمسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية تقع أولا على من كان يشرف على لجنة منحها، لا على الصحافيين الذين يُطلب منهم اليوم لعب دور “المخبرين”.
في عهد وزارة الاتصال، كانت البطاقة المهنية تمنح وفق مساطر أكثر صرامة. فلم يكن الأمر يقتصر على الوثائق الإدارية فقط، بل كانت تتم متابعة الإنتاجات الإعلامية للصحافي أو للموقع، ومدى احترامها للضوابط المهنية. لذلك لم يكن هذا الانفلات الإعلامي الذي نراه اليوم بتلك الحدة.
الأكثر إحراجا في الحوار كان عندما طرح حميد المهدوي سؤالا مباشرا: هل تشعر أنك لم تظلم أحدا كان يستحق البطاقة المهنية ولم تمنحوها له؟
هنا بدا الارتباك واضحا، وحاول البقالي التهرب من الجواب. وربما لأنه يعرف جيدا أن ملفات عديدة ظلت مركونة دون حسم، وأن بعض أصحابها كانوا مستوفين للشروط، لكنهم دفعوا ثمن مواقفهم أو انتقاداتهم.
الحقيقة التي يعرفها كثيرون داخل الوسط الصحفي أن ملفات بعض الصحافيين كانت تُترك دون فحص جدي، لا لسبب مهني، بل لأن أصحابها يختلفون مع البقالي أو ينتقدون أداءه. وهذا ظلم بيّن لن يسقط بالتقادم، ولن ينساه من تعرضوا له.
وإذا كان البقالي اليوم يحاول تقديم نفسه في صورة المدافع عن الصحافة وعن حميد المهدوي، فإن الوقائع تقول شيئا آخر. فقد كنت شخصيا شاهدا على واقعة دالة داخل المحكمة، عندما قال المهدوي أمام رئيس الجلسة إن المجلس الوطني للصحافة حرمه من البطاقة المهنية حتى تتم متابعته بالقانون الجنائي بدل قانون الصحافة.
بل أكثر من ذلك، أكد المهدوي أن بطاقته المهنية كانت قد أُشر عليها بالموافقة قبل أن تعود فجأة إلى عبارة “في طور المعالجة”، وأضاف أمام المحكمة: “عبد الله البقالي شاهد ويحضر معنا اليوم في الجلسة.”
في تلك اللحظة، تغيرت ملامح البقالي بشكل واضح، ولم تمر سوى دقائق قليلة حتى غادر قاعة المحكمة على عجل.. كثير من الحاضرين لاحظوا ذلك، ولم يكن الأمر خافيا على أحد.
السؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كان البقالي قد دافع عن المهدوي اعلاميا ومقتنعا بما يقول ، فلماذا لم يقترح على المهدوي رفع دعوى قضائية بخصوص شبهة التزوير ويكون هو شاهد أمام القضاء ، خاصة وأن الحديث كان يدور حول بطاقة أُشر عليها بالموافقة ثم تم التراجع عنها؟
الجواب بسيط: لأن الدخول إلى القضاء كان سيكشف تفاصيل كثيرة لا يرغب أحد في فتحها.
اليوم، ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن البقالي يحاول إعادة تلميع صورته الإعلامية، مستفيدا من منصة المهدوي ومن التعاطف الذي يحظى به..لكن الرأي العام الصحفي لم يعد ساذجا إلى هذا الحد.
فالمسؤولية عن الفوضى التي يعرفها مجال البطاقة المهنية لا يمكن توزيعها على الجميع. فهناك مسؤول محدد وواضح في القانون: رئيس لجنة منح البطاقة المهنية.
ولا يوجد في النص القانوني ما يسمى مسؤول عن الصحافة الإلكترونية وآخر عن الصحافة المكتوبة وثالث عن السمعي البصري. هناك لجنة واحدة، ورئيس واحد، ومسؤولية واحدة.
لذلك، عندما يبدأ المجلس الوطني للصحافة المقبل عمله، فمن المرجح أن يكتشف الكثير من الأمور: بطاقات مُنحت لمن لا يستحقونها، وملفات ظلت مجمدة دون مبرر، وأشخاص حُرموا من حقهم لأسباب لا علاقة لها بالمهنة.
وعندها فقط سيتضح أن المشكلة لم تكن في الصحافيين، بل في من كانوا يديرون هذا الملف بمنطق الانتقائية والحسابات الضيقة.
أما تحويل الصحافيين إلى “شكامة” على بعضهم البعض، فليس إصلاحا للمهنة… بل هروب واضح من المسؤولية.
التعليقات مغلقة.