الانتفاضة
تابعت المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد بقلق بالغ واستنكار شديد التصريحات المتداولة والمنسوبة إلى أحد المسؤولين السياسيين، والتي تضمنت عبارة مهينة في حق الأمازيغ من قبيل القول: “مشارجي على حمار الشلح”، وهي عبارة تحمل دلالات قدحية وتمييزية تمس كرامة فئة واسعة من المواطنين المغاربة وتشكل إساءة مباشرة لأحد المكونات الأصيلة للهوية الوطنية المغربية.
وإن المنظمة إذ تعبر عن رفضها المطلق لهذا النوع من الخطاب، فإنها تؤكد أن الأمر لا يمكن التعامل معه على أنه مجرد زلة لسان عابرة، بل هو مؤشر مقلق على استمرار بعض التمثلات التمييزية داخل الخطاب السياسي والمؤسساتي.
أولاً: الأمازيغية ركيزة دستورية في الهوية المغربية
إن الدستور المغربي لسنة 2011 حسم بشكل واضح مسألة الهوية الوطنية حين أكد في ديباجته أن المغرب دولة ذات هوية متعددة الروافد، تتكون من:
الرافد الأمازيغي
الرافد العربي الإسلامي
الرافد الصحراوي الحساني
الروافد الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية
كما نص الفصل الخامس من الدستور صراحة على أن الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب اللغة العربية، وأن الدولة تعمل على حمايتها وتطويرها وإدماجها في مختلف مجالات الحياة العامة.
وعليه فإن أي خطاب يتضمن احتقاراً أو سخرية من الأمازيغ لا يشكل فقط إساءة اجتماعية، بل قد يشكل تعارضاً مع روح الدستور ومبادئ المساواة بين المواطنين.
ثانياً: انتهاك مبادئ حقوق الإنسان
إن الخطاب الذي يتضمن تمييزاً أو تحقيراً بسبب الأصل الثقافي أو اللغوي يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان التي التزم بها المغرب.
فالمغرب صادق على عدة اتفاقيات دولية، من بينها:
1. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
ينص المادة 1 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن:
“جميع الناس يولدون أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق.”
كما تنص المادة 2 على أنه لا يجوز التمييز بين الناس بسبب العرق أو اللغة أو الأصل.
2. العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية
يؤكد هذا العهد على حماية الأقليات الثقافية واللغوية وحقها في الحفاظ على هويتها.
3. الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري
وهي اتفاقية صادق عليها المغرب، وتلزم الدول بمحاربة كل خطاب يتضمن تحقيراً أو تمييزاً على أساس الأصل أو الثقافة أو اللغة.
ثالثاً: خطورة الخطاب العنصري في المؤسسات العمومية
إن صدور مثل هذه التصريحات عن مسؤولين عموميين يطرح إشكالية خطيرة تتعلق بـ أخلاقيات الوظيفة العمومية.
فالمسؤول العمومي لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الدولة ومؤسساتها، وبالتالي فإن تصريحاته يجب أن تكون منسجمة مع:
الدستور
القوانين الوطنية
الالتزامات الدولية للمغرب
كما أن الخطاب السياسي يجب أن يكون عاملاً للوحدة الوطنية وليس مصدراً للانقسام أو الاحتقار.
رابعاً: ظاهرة زلات اللسان في الخطاب السياسي
إن الواقعة الحالية ليست معزولة، بل تأتي في سياق تكرار عدد من التصريحات المثيرة للجدل في الحياة السياسية المغربية.
فخلال السنوات الأخيرة، شهد الرأي العام عدة تصريحات لمسؤولين حكوميين أثارت موجة غضب داخل المجتمع، خاصة عندما تضمنت تعبيرات اعتُبرت مهينة أو غير لائقة.
ومن الأمثلة التي أثارت جدلاً واسعاً في السابق:
تصريحات مسيئة أو غير موفقة في حق الجالية المغربية بالخارج، والتي أثارت موجة استياء بين مغاربة العالم.
استعمال بعض المسؤولين أوصافاً مهينة للمواطنين خلال تدخلات أو لقاءات رسمية.
وقد أدى استعمال لفظ مهين من طرف أحد المسؤولين المحليين في حق مواطن مسن إلى إعفائه من مهامه بعد موجة استنكار واسعة، في خطوة اعتُبرت تجسيداً لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وهذا يؤكد أن المجتمع المغربي لم يعد يقبل الخطاب المهين أو التمييزي داخل المؤسسات العمومية.
خامساً: تهديد التماسك الاجتماعي
إن أخطر ما في هذه التصريحات ليس فقط الإساءة المعنوية، بل ما قد تخلقه من توترات داخل النسيج المجتمعي المغربي.
فالمغرب عبر تاريخه كان دائماً نموذجاً للتعايش بين مكوناته الثقافية واللغوية، حيث شكل الأمازيغ والعرب وغيرهم نسيجاً حضارياً واحداً ساهم في بناء الدولة المغربية.
إن تحويل الاختلاف الثقافي إلى مادة للسخرية أو الاحتقار قد يؤدي إلى:
تغذية خطاب الكراهية
تعميق الانقسامات الاجتماعية
إضعاف الثقة في المؤسسات
وهو ما يتعارض مع المشروع الديمقراطي الذي يسعى المغرب إلى ترسيخه.
سادساً: المسؤولية السياسية والأخلاقية
إن المسؤولين العموميين مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بـ:
احترام كرامة المواطنين
استعمال خطاب سياسي مسؤول
تجنب أي تعبير يحمل دلالات تمييزية
فالكلمة الصادرة عن مسؤول ليست مجرد رأي شخصي، بل خطاب صادر عن سلطة عمومية.
سابعاً: مطالب المنظمة
بناء على ما سبق، فإن المنظمة الوطنية لحقوق الإنسان ومحاربة الفساد تعلن ما يلي:
استنكارها الشديد لكل التصريحات التي تتضمن إساءة أو احتقاراً للأمازيغ أو لأي مكون من مكونات الشعب المغربي.
مطالبتها بفتح توضيح رسمي للرأي العام بخصوص التصريحات المتداولة.
دعوة المسؤول المعني إلى تقديم اعتذار واضح وصريح للمغاربة.
دعوة المؤسسات السياسية إلى ترسيخ ثقافة احترام التنوع الثقافي واللغوي.
التأكيد على ضرورة تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة في مثل هذه الحالات.
إن المنظمة تؤكد أن كرامة المغاربة واحدة وغير قابلة للتجزئة، وأن المساس بأي مكون من مكونات الهوية المغربية هو مساس بالوطن كله.
كما تؤكد أن الوحدة الوطنية للمغرب بنيت عبر قرون على التعدد والتعايش، وأن حماية هذا التنوع مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع.
وإن المنظمة ستظل يقظة في رصد كل الخطابات التي تمس كرامة المواطنين أو تغذي التمييز، وستواصل الدفاع عن قيم حقوق الإنسان والمساواة والعدالة التي يشكل احترامها أساس بناء دولة الحق والقانون.
التعليقات مغلقة.