الانتفاضة /// حسن بناجح
في المغرب لم يعد التشهير انحرافا معزولا في معركة سياسية خاصة، بل تحول، مع مرور السنوات، إلى سلاح قذر ممنهج، تدار به الحروب ضد كل صوت يرفض الاصطفاف في طابور الصمت، وكل قلم يصر على أن يكتب خارج هوامش الإذن المسبق. لم يعد الهدف هو الرد على الفكرة بالفكرة، ولا الحجة بالحجة، بل صار المقصود هو تحطيم صاحب الرأي قبل مناقشة رأيه، وإسقاط الشخص قبل محاولة تفنيد موقفه.
إنه انتقال خطير من منطق السياسة إلى منطق التشهير، ومن منطق الاختلاف إلى منطق التصفية المعنوية.
فحين تعجز السلطة وأدواتها عن إقناع الناس، تطلق ماكينة الاغتيال الرمزي: تُفتَّش الحياة الخاصة، تُحرَّف الكلمات، تُصطاد أبسط الهفوات، تُفبرك القصص، حتى يتحول المستهدف إلى ملف، والملف إلى تهمة، والتهمة إلى “حقيقة” مصنوعة في عناوين صفراء ومنصات مأجورة.
وسلاح التشهير أخطر من القمع المباشر؛ لأنه يهدف إلى قال السمعة لا الجسد، ومحاولة مصادرة المصداقية لا الحرية فقط.
إنها سياسة تقوم على ثلاث مراحل واضحة:
1. الشيطنة: تصوير المعارض كخطر أو خائن أو عميل أو فاسد.
2. العزل: تخويف الناس من الاقتراب منه أو التضامن معه.
3. التدمير المعنوي: إغراق الفضاء العام بأكاذيب يصعب محوها حتى بعد تكذيبها.
وهكذا يتحول التشهير إلى رسالة ترهيب جماعية، لا تستهدف فردا بعينه بقدر ما تستهدف الجميع: “هذا ما ينتظر كل من يرفع رأسه وصوته”.
إن أخطر ما في هذه السياسة ليس فقط ظلم الأفراد، بل إفساد المجال العام نفسه؛ فحين يسود التشهير، تختفي الثقة، وحين تختفي الثقة، تموت السياسة، وحين تموت السياسة، لا يبقى إلا الخوف أو النفاق.
والأنكى من كل ذلك، أنه رغم الفشل الواضح في تحقيق هذه الأهداف، ورغم أن حملات التشهير كثيرا ما انقلبت على أصحابها، ورغم انفضاح هذا السلاح أمام الرأي العام وتزايد وعي الناس بأساليبه ومقاصده، فإن القائمين عليه يصرون على الاستمرار فيه، كأنهم لا يملكون غيره، أو كأنهم يراهنون على كثافة الضخ بدل صدق الحجة. فيتكرر السيناريو نفسه، بالأساليب نفسها، وباللغة نفسها، حتى صار التشهير مكشوفا إلى درجة أن الناس باتوا يتوقعون حملاته قبل أن تبدأ، ويعرفون أهدافها قبل أن تُعلن.
وهكذا أصبح التشهير أداة استبداد ناعمة،
وسجنا بلا جدران، ومحكمة بلا قضاة، وحكما بلا استئناف.
وهو، فوق ذلك، انتهاك صريح للحقوق والحريات الأساسية؛ إذ لا يمكن الحديث عن حرية رأي حقيقية في ظل مناخ يُعاقَب فيه أصحاب الآراء لا عبر النقاش العمومي، بل عبر المس بكرامتهم وسمعتهم. فحرية التعبير لا تُقاس فقط بغياب المنع القانوني، بل تقاس أيضا بوجود ضمانات فعلية تحمي الأفراد من حملات التشويه والتخويف. وعندما يصبح التشهير سياسة معلنة، فإن الهدف أن يتحول الحق في التعبير إلى مخاطرة شخصية، ويصير الاختلاف عبئا قد يدفع ثمنه صاحبه من سمعته وأسرته وعمله وعلاقاته.
ومن زاوية حقوقية، فإن التشهير الممنهج يمس جوهر الكرامة الإنسانية، ويحوّل الفضاء الإعلامي إلى محكمة موازية لا تحترم شروط المحاكمة العادلة ولا حق الرد ولا مبدأ التوازن. كما أنه يضرب مبدأ المساواة أمام القانون، حين يُترك بعض الناس عرضة لحملات منظمة دون حماية فعلية أو إنصاف ناجز، فيتحول القانون نفسه إلى متفرج على انتهاك يفترض أنه وُجد لمنعه.
أما سياسيا، فإن التشهير صار أداة لضبط المجال السياسي وإعادة تشكيله على مقاس الصوت الواحد. فهو يوجه رسالة واضحة لكل الفاعلين: أن كلفة المعارضة قد لا تكون المنع فقط، بل التشويه أيضا؛ وأن الثمن قد لا يكون سياسيا فحسب، بل شخصيا وأخلاقيا. وهكذا يتحول التشهير إلى وسيلة لإنتاج نخبة خائفة، وصمت واسع، حيث يفضل كثيرون السلامة على الصراحة، والاحتياط على الموقف.
إن انتشار التشهير بهذا الشكل لا يضر بالمعارضين وحدهم، بل يضر بالدولة نفسها؛ لأن الدول القوية تقاس بقدرتها على استيعاب الاختلاف، لا بقدرتها على تشويه المختلفين. كما أن المجال السياسي الذي يدار بالتخويف لا ينتج ثقة، والمجال الإعلامي الذي يدار بالتشهير لا ينتج حقيقة، والمجتمع الذي يدار بالشائعات لا ينتج استقرارا حقيقيا.
ولذلك فإن مقاومة التشهير ليست دفاعا عن أشخاص بعينهم، بل دفاع عن حق المجتمع كله في أن يختلف دون أن يُدمَّر، وأن يقول “لا” دون أن يُغتال.
فالأوطان لا تُبنى بتكميم الأفواه، ولا بتلطيخ السمعة، ولا بتحويل الإعلام إلى محكمة، بل تُبنى بحرية نظيفة لا بسلاح قذر.
التعليقات مغلقة.