الانتفاضة
خرج مصطفى الرميد، الوزير السابق في حكومة حزب العدالة والتنمية، وهو رجل يُقدَّم باعتباره خبيرًا في القانون، وزير عدل سابق…. ، ليميز بين المغاربة على أساس النسب، مصرحًا بأن أصله قرشي ومن آل البيت ومن سلالة الأدارسة. وكأن هذا الوطن لم يعد كافيًا ليكون جامعًا للانتماء، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بسلسلة نسب تُروى لا بعمل يُنجز.
وزاد الأمر غرابة حين ردّ عليه أحد الصحافيين بأن هذا النسب هو ما جعل الناس يحترمونك ويقدرونك في منطقتك .
والحقيقة أن هذه الأسطوانة تم تلقينها لكثير من المغاربة؛ فقلّما تسأل شخصًا عن أصوله خارج انتمائه الأمازيغي إلا ويرفع نسبه إلى الأدارسة أو إلى المشرق العربي فهي أسطوانة لقينت في مناهج الدراسية بعد الاستقلال فاي شخص مر من المدرسة بعد الاستقلال اذا سألته عن نسبه يرفعه بسهولة إلى الإدارسة ، في مشهد يكشف حجم الاستلاب الذي ما زال يسكن بعض العقول.
و حتى في زيان بصفة عامة ، وهم أمازيغ أقحاح ، نجد اغلب الأشخاص في هاته القبائل يرفعون نسبهم إلى الأدارسة بشجرة وهمية رغم ان الوجود الادريسي بهذه المنطقة كما الشأن بمناطق المغرب كلها حسب المصادر التاريخية انتهى بعد تعينات كنزة الأوربية لاحفادها عمال على بعض المناطق، و ليس كلها، منهم عيسى بن إدريس الثاني الذي عين عاملا على فازاز و سلا في القرن التاسع الميلادي و لم يدم حكمهم طويلا ، و من بعد اندثر الوجود الادرسي بشكل نهائي في هذه المجالات منهم دكالة و فازاز.
و مناطق أخرى . ليعرف الجميع أن الأرض التي وُلدنا عليها، وأكلنا من خيراتها، وشربنا من مائها، وتربينا في كنفها، هي انتماؤنا الحقيقي؛ سواء كان أجدادنا من هنا أو من هناك. هذا هو منطق العقل السليم، لا منطق البحث عن نقاء عرقي متوهَّم.
إن تحويل اسم قبيلة “الكريشات” إلى “قريش” لمجرد التشابه اللفظي، هو تأويل متكلف لا يسنده علم ولا تاريخ. فالاسم، في أصله الأمازيغي، مرتبط بكلمة “لكرش” (بثلاث نقط فوق الكاف)، وهو العظم في طور نموّه قبل أن يشتد ويصلب.
وقد كان يُطلق كذلك على العملة الفضية المغربية الخفيفة والرقيقة المكونة من الفضة ب اسم “لكرش”، جمعها لكروش تشبيهًا لها بذلك العظم الذي يظهر في بداية نموه .
ثم إن القبيلة التي أشار إليها الرميد، وبالرجوع إلى ما أورده كتاب البستان الظريف، يتبين أنها كانت في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله تمارس مهام الجندية، وأنه جرى نقلها من منطقة الحوز إلى دكالة ،في عهده ، بحسب ما ذكره المؤرخ.
غير أن استحضار هذا المعطى لا يعني إطلاقًا إضفاء عرق معين أو نسب مخصوص على القبيلة، ولا توظيفه لإثبات تمايز عن باقي المغاربة. فهذه قبيلة مغربية عاشت في هذه الأرض، وأسهمت في تاريخها، شأنها شأن غيرها من القبائل. وبدون لفّ ولا دوران: هم مغاربة أقحاح، تشكلوا في سياق هذا الوطن، وتفاعلوا مع دولته ومجتمعه، ولا يحتاج انتماؤهم إلى سند خارج حدوده.
المؤسف أن بعض من يتشبثون بهذا الخطاب لا يقرؤون التاريخ قراءة علمية، ولا يستحضرون روح الدستور، ولا يستوعبون ما حققه المغرب من تقدم في ترسيخ التعددية والاعتراف بالتنوع الثقافي. بل يتوقف الفكر عندهم عند فكرة السلالة النقية، وكأنهم جنس متميز عن باقي أبناء الوطن.
الهوية لا تُختزل في النبش خارج الأرض التي ولدت فيها للافتخار و التباهي ، ولا تُبنى على ادعاء تفوق عرقي على اخر بالمفهوم الديني . بل تُبنى على الانتماء الصادق لهذه الأرض، وعلى الإيمان بالمساواة بين أبنائها، وعلى العمل من أجل كرامتهم جميعًا دون تمييز.
التعليقات مغلقة.